إذ قبضت عنه أطرافها ، ووطَّئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها ، وزوي عن زخارفها وإن شئت ثنّيت بموسى كليم اللَّه - عليه السّلام - إذ يقول : « ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير » .
شرح
ثم بين عليه السّلام وجه الدلالة بقوله : ( إذ قبضت عنه أطرافها ) أي أطراف الدنيا ، طرف المال وطرف المأكل ، وطرف النّساء وهكذا ، فانّ الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله لم يتمتّع بمال الدنيا ومأكلها ، والحسان من أبكارها - وهذا وان كان بإرادة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله في الواقع ، إلا أنه لم يتهيّأ له صلَّى اللَّه عليه وآله ما تهيّأ للقياصرة والأكاسرة في الظَّاهر - ولو كانت الدّنيا حسنة ممدوحة ، لم يحرم منها الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وتعطى لغيره .
( ووطئت لغيره أكنافها ) جمع كنف ، بمعنى : الجانب ، ومعنى « وطئت » هيّئت وذلَّلت ( وفطم عن رضاعها ) كناية عن عدم التذاذه صلَّى اللَّه عليه وآله بلذائذ الدّنيا ( وزوى ) أي ابتعد ( عن زخارفها ) جمع « زخرف » بمعنى الزّينة .
( وان شئت ) أن تدرك كيف انّ الدّنيا مذمومة ( ثنّيت بموسى كليم اللَّه عليه السّلام ) أي ذكرته صلَّى اللَّه عليه وآله ثانيا ، لترى كيف انه انقطع عن الدنيا ( إذ يقول ) كما يحكيه القرآن الحكيم ( « ربّ انّى لما أنزلت إليّ من خير ، فقير » ) « فقير » مبتدأ مؤخر ، و « لما » خبر مقدم ، أي أنا فقير لكل نوع من أنواع الخير الذي تتفضّل به عليّ ، وقد قال موسى عليه السّلام ذلك حين ما جاء إلى « مدين » هاربا من « فرعون » ولم يكن زاد ولا مركب ولا