واللَّه ، ما سأله إلَّا خبزا يأكله ، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذّب لحمه وإن شئت ثلَّثت بداوود - عليه السّلام - صاحب المزامير ، وقارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشّعير من ثمنها .
شرح
مأوى ( واللَّه ما سأله إلا خبزا يأكله ) فكان سؤاله عليه السّلام لشبع بطنه ( لأنه كان يأكل بقلة الأرض ) في سفره من « مصر » إلى « مدين » .
( ولقد كانت خضرة البقل ) أي العشب ( ترى من شفيف صفاق بطنه ) الصفاق الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر ، وشفيفه كونه غير ممتل حتى يكون كالزجاج رقة ( لهزاله ) عليه السّلام ( وتشذّب لحمه ) أي تفرّقه وتحلَّله ، حتّى لم يبق له لحم كثيف يحول بين ما في البطن ، وبين نفوذ النظر في الداخل ، فلو كانت الدنيا ممدوحة لم تذوعن مثل موسى عليه السّلام .
( وان شئت ) الزيادة في عرفان ذم الدنيا ( ثلَّثت بداوود عليه السّلام ) أي ذكرته كمثال ثالث ( صاحب المزامير ) جمع « مزمور » وهو ما يترنم به من الأناشيد ، فقد كان داود عليه السّلام يقرأ « الزبور » - وهو الكتاب السّماوي المنزل عليه بلحن طيب جميل ، لا بلحن الغناء - كما ربما يزعم - .
( وقارئ أهل الجنّة ) كما ورد في الأحاديث انّ اللَّه سبحانه ينعم على أهل الجنّة بقراءة داود بصوته الجميل الرخيم ( فلقد كان يعمل سفائف الخوص ) جمع سفيفة ، وهى : المنسوجة من خوص الأشجار ، أي كان ينسج الخوص ( بيده ) الكريمة ( ويقول : لجلسائه أيكم يكفيني بيعها ) بأن يبيع هذه السّفائف ، لكي لا أبيعها أنا بنفسي ( ويأكل قرص الشعير من ثمنها ) أي ثمن