لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبّها ، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثّلا خلق الخلق على غير تمثيل ، ولا مشورة مشير ، ولا معونة معين ، فتمّ خلقه بأمره ، وأذعن لطاعته ، فأجاب ولم يدافع ، وانقاد ولم ينازع . ومن لطائف صنعته ، وعجائب خلقته ،
شرح
غلطه ، فإذا قال لا بد للأثر من مؤثر ، أو لا يمكن اجتماع النّقيضين ، أو انّ الكل أعظم من الجزء ، لا بد وأن يكون ولا خطأ فيه اطلاقا .
( لم تبلغه العقول بتحديد ) بأن يحدّده العقل ويعرف حدوده ( فيكون ) سبحانه ( مشبّها ) شبيها بسائر الأمور المحدودة ( ولم تقع عليه الأوهام ) أي العقول ( بتقدير ) بأن يبين قدره تعالى ( فيكون ) سبحانه ( ممثّلا ) أي مثلا لسائر المخلوقات ، ولعلّ المراد بالتّحديد الحدّ المنطقي - أي الجنس والفصل - ، وبالتقدير ، الكمّ والكيف ، وما أشبه .
( خلق ) سبحانه ( الخلق على غير تمثيل ) أي لم يكتسب مثالا للخلق ، حتّى يكون صنعه للخلق حسب ذلك المثال ( ولا مشورة مشير ) استشاره في أمر الخلق ( ولا معونة معين ) بأن أعانه في الخلق أحد أو آلة - كما هي الحالة عند النّاس في أعمالهم - ( فتمّ خلقه ) تعالى للأشياء ( بأمره ) سبحانه ( وأذعن ) أي انقاد الخلق ( لطاعته ) تكوينا ( فأجاب ) الخلق لمّا أراد تعالى ( ولم يدافع ) سبحانه بأن يأبى الخلق من الانقياد التّكويني له ( وانقاد ) أي خضع الخلق ( ولم ينازع ) سبحانه بأن يخاصمه أحد في خلقه .
ثمّ أخذ سبحانه في بيان خلقة الخفّاش ، ذكر المثال من أمثلة خلقه الَّتي تدلّ على عظيم لطفه وعلمه وصنعه ، وإن كان المخلوق في النّاس منفورا منه ، غير ظاهر عليه آثار القدرة ( ومن لطائف صنعته ) أي دقائقها ( وعجائب خلقته )