ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، ويتمنّى أنّ الَّذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، ولا يسمع رجع كلامهم .
شرح
( ويزهد ) هذا الانسان المحتضر ( فيما كان يرغب فيه أيام عمره ) لأنه يظهر له في ذلك الحال عدم فائدة المال وما أشبه ، ولذا ينفر عنه ، بينما كان في السابق يرغب فيه ( ويتمنى ) حال الموت ( ان ) الشخص ( الذي كان يغبطه بها ) أي يغبط هذا المحتضر بسبب تلك الأموال ( ويحسده عليها ) والفرق بين الغبطة والحسد ان الغبطة تمنى المرء ان يكون لنفسه مثل ما لغيره والحسد تمنى المرء زوال نعمة الغير .
( قد حازها ) أي ملكها ذلك الحاسد والغابط ( دونه ) لأنه رأى وبال تلك الأموال فيقول يا ليت كانت لغيري حتى لا أوخذ بإثمها وتبعتها ( فلم يزل الموت يبالغ في جسده ) ويوهن قواه .
( حتى خالط لسانه سمعه ) أي شارك السمع اللسان في العجز عن القيام بوظيفته فقد كان قادرا على الاستماع غير قادر على التكلم والآن صار لا يقدر على الاستماع أيضا ( فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ) وانما يبقى له البصر .
( يردد طرفه بالنظر في وجوههم ) ينظر إلى هذا مرّة والى ذاك أخرى ( يرى حركات ألسنتهم ) مما يدل على أنهم يتكلمون بشئ ( ولا يسمع رجع ) أي صوت ( كلامهم ) لأن الموت قد شمل اذنه ، وفى هذا الحال زيادة الحسرة
و