فغير موصوف ما نزل بهم : اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع بأذنه ، على صحّة من عقله ، وبقاء من لبّه ، يفكَّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره
شرح
( فغير موصوف ما نزل بهم ) من أهوال والشّدائد فانّها لعضمها لا تأتي في درج البيان والوصف ( اجتمعت عليهم سكرة الموت ) فان للموت حالة كحالة السكران إذ يغطَّى على عقلة من شدّة أهوال الموت ( وحسرة الفوت ) أي فوت أوان الطاعة الموجبة للخلاص والفوز ( ففترت لها ) أي لتلك السكرة والحسرة ( أطرافهم ) فان الانسان يضعف عصبه عند الشّدائد والمخاوف ( وتغيّرت لها ألوانهم ) إذ الخوف يوجب هجوم الدم نحو الباطن فيصفر الوجه .
( ثم ازداد الموت فيهم ولوجا ) أي دخولا ، لأن الموت أمر تدريجي يأتي جزءا جزءا ( فحيل بين أحدهم ) المراد كل واحد من هؤلاء الموصوفين كما قال سبحانه : * ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ) * ( وبين منطقه ) حتى أنه لا يتمكن ان يتكلم .
( وانّه لبين أهله ) ممدود في حالة السكرات ( ينظر ببصره ) إليهم ( ويسمع بأذنه ) كلامهم لكنّه لا يقدر على التّكلَّم ( على صحة من عقله وبقاء من لبه ) أي عقله كل ذلك مما يزيده حسرة ( يفكر فيم ) أصله « في ما » وإذا دخلت حروف الجر على « ما » حذف الألف نحو « عم » و « لم » وما أشبه ( أفنى عمره ) حيث لم يحصل على الغاية الحسنة ( وفيم اذهب ) وأعدم ( دهره ) بلا فائدة ولا تجارة رابحة .