إن دعي إلى حرث الدّنيا عمل ، وإن دعي إلى حرث الآخرة كسل كأنّ ما عمل له واجب عليه ، وكأنّ ما ونى فيه ساقط عنه ومنها : وذلك زمان لا ينجو فيه إلَّا كلّ مؤمن نومة ، « إن شهد لم يعرف ، وإن غاب لم يفتقد ، أولئك مصابيح الهدى ، »
شرح
( ان دعى إلى حرث الدنيا ) أي زرعها وما يوجب انمائها ( عمل ) طلبا للدنيا ( وان دعى إلى حرث الآخرة ) وما يوجب الفوز بها من الأعمال الصالحة ( كسل ) ووهن لعدم رغبة له فيها ( كأن ما عمل له ) من أمور الدنيا ( واجب عليه ) حتى إذا لم يعمله عوقب ( وكان ما ونى ) وكسل ( فيه ) من عمل الآخرة ( ساقط عنه ) مع انّ الأمر بالعكس .
( ومنها ) ( وذلك ) أي آخر الزمان ( زمان لا ينجو فيه ) أي من شره ( الا كل مؤمن نومة ) أي كثير النوم ، وذلك كناية عن عدم مشاركة الأشرار ، كالانسان النائم الذي لا يشارك الناس في أعمالهم ( ان شهد ) أي حضر في مجتمع الناس ( لم يعرف ) أي لا يعرفه الناس لعدم اختلاطه بهم .
( وان غاب لم يفتقد ) أي لم يسأل عن أحواله أحد لعدم صداقتهم معه ، وهكذا يكون الأخيار عند غلبة الأشرار ، لأنهم يقطعون عنهم بعد رؤيتهم عدم فائدة النصح فيهم ، وهذا لا ينافي وجوب التصدي لأحكام الاسلام الموجب للشهرة والعزّ ، فان لكل واحد من الأمرين ظرفا خاصا ، بل ينبغي للمؤمن ان يتصدى لأن يكون إماما للمتقين كما قال سبحانه : * ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا ) * .
( أولئك ) الموصوفون بتلك الأوصاف ( مصابيح الهدى ) فكما يوجب المصباح هداية الناس إلى حوائجهم في الظلمة ، كذلك هؤلاء أدلة الناس إلى الحق في ظلمة الجهل والإثم .