لا يرجع ما تولَّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر . سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرّجال فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلَّة ما يصحبكم منها . رحم اللَّه امرأ تفكَّر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ،
شرح
في محله ومكانه ( لا يرجع ما تولى منها ) أي من الدنيا ( فأدبر ) عن الانسان .
( ولا يدرى ) أي لا يعلم ( ما هو آت منها ) أي بماذا يأتي الدنيا بخير أو شر ( فينتظر ) أي حتى ينتظره الانسان ( سرورها مشوب بالحزن ) فان الانسان لا بد وان يحزن لجانب من جوانب الدنيا وإن كان فرحا بجانب آخر .
( وجلد الرجال ) أي قوّتهم ومنعتهم ( فيها ) أي في الدنيا ، ينتهى ( إلى الضعف والوهن ) عطف بيان للضعف .
( فلا يغرّنكم كثرة ما يعجبكم فيها ) أي إذا حصل لديكم كثرة من النعم الموجبة لرضاكم لا يغرّكم ذلك ( لقلة ما يصحبكم منها ) من تلك الكثرة ، أو من الدنيا ، فان اصطحاب الدنيا للانسان في مدّة قليلة .
( رحم اللَّه امرأ تفكر ) في أمر نفسه وزوال الدنيا ( فاعتبر ) أي أخذ العبرة ، وهى معرفة حقيقة الدنيا ، وانها دار انقضاء لا دار بقاء ( واعتبر فأبصر ) فانّ الأبصار يأتي بعد الاعتبار .
( فكأن ما هو كائن من الدنيا ) وموجود فعلا ( عن قليل لم يكن ) لأنه يفنى والفاني كأنه لم يكن أبدا ، إذ لا أثر له .
( وكأنّ ما هو كائن من الآخرة ) مما سيصل إلى الانسان ( عما قليل لم يزل ) إذ يبقى إلى الأبد .