تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توضيح نهج البلاغة — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
في محلَّة الأموات رهينا ، وفي ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته وأبلغت النّواهك جدّته وعفت العواصف آثاره ومحا الحدثان معالمه وصارت الأجساد شحبة بعد بضّتها والعظام نخرة بعد قوّتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ،
شرح
ترك وبقى ( في محلة الأموات رهينا ) أي مرهونا محبوسا ، فلا رجوع له ( وفى ضيق المضجع ) أي القبر ، فان القبر محل ضجعة الانسان ( وحيدا ) لا أحد معه الا عمله ( قد هتكت الهوام جلدته ) الهوام جمع هامة ، وهى الحيوان الصغير كالدود والنمل وما أشبه ، أو ما له سم كالحية والأفعى ، فإنها تشق جلد الانسان لتأكل من لحمه وتشرب من دمه ( وأبلت ) من البلاء مقابل الجدة ( النواهك ) جمع ناهكة ، وهى التي تضعف الانسان وتؤذيه ( جدته ) وهذا كناية عن تغير جسمه وتبدّل طراوته ( وعفت ) أي محت وأذهبت ( العواصف ) جمع عاصفة ، وهى الريح الشديدة الهبوب ( اثاره ) فان القبر يندرس بالعواصف ( ومحا الحدثان ) أي الليل والنهار ( معالمه ) جمع معلم ، وهو ما يستدل به ، والمراد اما معالم جسده ، أو معالمه في الخارج ( وصارت الأجساد ) بعد الموت ( شحبة ) من الشحوب بمعنى الذبول ( بعد بضتها ) أي امتلائها بالسمن والنضارة ، يقال بض الماء إذا ترشح قليلا قليلا ، فكانّ الجسم الممتلئ يترشح بالماء ( والعظام نخرة ) أي بالية ( بعد قوتها ) وصلابتها ( والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ) جمع عبء بمعنى الثقل ، يعنى ان الأرواح التي خرجت عن الأجساد هناك في تعب وألم لما فعلت في دار الدنيا ، فهي كالرهينة التي ليست منافعها لصاحبها ( موقنة بغيب أنبائها ) فان الاخبار التي تقال لها في الدنيا - وقد كانت تشك فيها - صارت يقينا هناك إذ شاهدت أحوال الآخرة خيرها وشرها ( لا تستزاد من صالح عملها ) أي لا يطلب منها زيادة العمل الصالح