تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توضيح نهج البلاغة — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
فإنّ الدّنيا رنق مشربها ، ردغ مشرعها ، يونق منظرها ، ويوبق مخبرها . غرور حائل ، وظلّ زائل ، وسناد مائل ، حتّى إذا أنس نافرها ، واطمأنّ ناكرها
شرح
أي يحاسبكم على الدنيا ، والمراد الحساب على تعاطى الانسان الدنيا ( فان الدنيا رنق مشربها ) الرنق هو الكدر ، وهذا كناية عن الأم الدنيا ، وهمومها ، فهي مثل الماء الكدر الَّذي لا يهناء شاربه وقوله « فان » ب‍ « الفاء » تفريع على قوله « أوصيكم » كأنه عليه السّلام قال اتركوا لذات الدنيا فإنها كدر ( ردغ مشرعها ) المشرع المحلّ الَّذي يتمكن الانسان من الوصول إلى ماء النهر ونحوه والردغ الكثير الطين والوحل ( يونق منظرها ) أي يعجب منظر الدنيا ، فان الانسان إذا نظر إليها أعجبته وظن أنها بدون الأم وهموم ( ويوبق ) أي يهلك ( مخبرها ) أي الأخذ بها ، فان من يأخذ بالدنيا بلا احتراز وتوفى يهلك لما يصيبه من الآثام والمعاصي . ( غرور حائل ) أي ان الدنيا غرور يحول ويزول فلا يبقى ، وحمل « غرور » على الدنيا مبالغة ، مثل « زيد عدل » . وحائل من حال يحول إذا زال ولم يبق ( وظل زائل ) أي ان الدنيا كالظل الَّذي تنسخه الشمس فلا يبقى وانما يمكث برهة ( وسناد مائل ) السناد ما يستند إليه الانسان فإن كان ثابتا قائما استقر المستند إليه ، وان كان مائلا مشرفا على الوقوع كان المستند إليه في معرض السقوط ( حتى إذا انس نافرها ) النافر من الحيوان الَّذي لا يئنس ، وانس النافر كناية عن التعب لأجل الايلاف ، كما يتعب من يريد تذليل الحيوان الوحش ليأنس ( واطمأن ناكرها ) أي الَّذي ينكر الدنيا ، وهو كناية عن الاطمينان والاستقرار الَّذي يحصل للانسان بعد جهد وجدّ ، من جهة الملاذ والمكانة الاجتماعية وما أشبه .