قدّم توبته وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له والشّيطان موكَّل به ، يزيّن له المعصية ليركبها ، ويمنّيه ليسوّفها حتّى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها . فيا لها حسرة
شرح
منصوح - والسرّ ان الانسان يجد في نفسه ازدواجا ، ولذا يكون فيها تجاذب وتدافع ، نحو كل عمل خير أو شر ، هذا يأمر وهذا ينهى ( قدّم توبته ) بمعنى انه لم يؤخر ، حتى يفلت الزمام من يده ( وغلب شهوته ) أي اشتهائه بالمعاصي والآثام وما يوجب بعده عن ساحة القرب .
( فان أجله ) الَّذي يوجب انتقاله من الدنيا إلى الآخرة ( مستور عنه ) إذ لا يعلم الانسان انه أي وقت يموت ، فاللازم ان يقدّم أمره حتى إذا جاءه الأجل بغته لا يحسر ولا يتأسف ، ( وأمله ) الَّذي يترجّاه لمستقبله من الخير الدنيوي ( خادع له ) يخدعه فربما لا يصل إلى أمله ، كما هو الكثير ( والشيطان موكل به ) أي هو كالموكَّل الَّذي يلاحظ أموره ويوجّهه نحو الضلال ( يزين له المعصية ) فيبين له فوائدها ، ويصرف نظره عن مضارها ( ليركبها ) أي يرتكبها وقد شبّه تسلط الانسان على المعصية بالراكب المسلط على المركوب ( ويمنيه ) أي يبين الشيطان للانسان ان التوبة ممكنة في المستقبل ( ليسوفها ) أي ليوجّلها ، من « سوف » .
( حتى تهجم منيّته ) أي الموت ، ومعنى الهجوم الورود دفعة ( عليه أغفل ما يكون ) أي في حال كون الانسان أكثر غفلة من كل وقت ( عنها ) أي عن المنية ، وكونه أغفل باعتبار ان الانسان إذا تمادى في العصيان ، يزداد غفلة على غفلة ، حتى أنه في وقت المنية أكثر الأوقات غفلة ( فيا لها حسرة ) « يا » حرف نداء ، و « اللام » للاستغاثة ، و « ها » راجع إلى « الحسرة » ، وانما قدّم الضمير للتهويل فان ذكر الصريح بعد التلويح أوقع في النفس ، لتعطش القلب إلى الاظهار بعد