تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توضيح نهج البلاغة — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده . أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء ،
شرح
يصنع الأشياء بالآلات ، فينشر الخشب ويثبت الوتد ، بالمنشار والمدّق وما أشبه ذلك . وانه تعالى ( بصير ) أي عارف بالأشياء ( إذ ) أي في زمان ( لا منظور إليه من خلقه ) أي كان سبحانه متصفا بأنه « بصير » في وقت لم يكن مخلوق موجودا ، والمراد بالبصير العارف بالأشياء ، وهذا بخلاف الانسان الَّذي لا يبصر إلا ما هو مخلوق موجود ، ثم لا يخفى انه سبحانه لا حاسة له كحواسنا تبصر الأشياء ، اما انه هل يراها بذاته ، ويسمع بذاته ، أم المراد بالسمع والبصر العلم احتمالان ، والمرجّح لدّى - حسب المستفاد من الظواهر - الثاني ، ولا ينافي ذلك عدم معرفتنا بالمزايا والكيفيات ، كما لا نعرف سائر صفاته بكنهها ، وهو سبحانه ( متوحد ) أي واحد ، ولكن ليست وحدته كوحدتنا ، فان الوحدة فينا معناها ان هناك غيرنا ممن إذ ابتعد عنا نستوحش ، وإذا اقترب إلينا نأنس ، وليس كذلك سبحانه إذ لا جنس له حتى يأنس بقربه ويستوحش لبعده ، كما لا قرب ولا بعد للأشياء بالنسبة إليه ، والى هذا أشار عليه السّلام بقوله : ( إذا لا سكن يستأنس به ) والاستيناس ضد الوحشة التي تطر على الانسان حال الانفراد ( ولا يستوحش لفقده ) بالابتعاد عنه أو فنائه وهلاكه ، و « إذ » للعلة ، بخلاف « إذ » في الجملة السابقة ، فإنها بمعنى الزمان . ( انشاء ) سبحانه ( الخلق انشاء ) والانشاء غالبا يستعمل في الابداع ، وهى الايجاد بدون احتذاء مثال واتباع الغير ( وابتدئه ) أي الخلق ( ابتداءا ) فكان هو الأول في الخلق لا سابق عليه ، والابتداء أعم - مفهوما - من الانشاء