تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
كل كفار عنيد . مناع للخير معتد مريب . الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد . قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد . قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد .
شرح
السابقين السائق والشهيد ، ويجوز أن يكون خطابا للواحد على وجهين : أحدهما قول المبرد إن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهما كأنه قيل ألق ألق للتأكيد . والثاني أن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان فكثر على ألسنتهم أن يقولوا خليلي وصاحبي وقفا وأسعدا حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين . عن الحجاج : أنه كان يقول : يا حرسي اضربا عنقه . وقرأ الحسن ألقين بالنون الخفيفة ، ويجوز أن تكون الألف في ألقيا بدلا من النون إجراء للوصل مجرى الوقف ( عنيد ) معاند مجانب للحق معاد لأهله ( مناع للخير ) كثير المنع للمال على حقوقه ، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه شيئا قط أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم . قيل نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بنى أخيه من الإسلام وكان يقول : من دخل معكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت ( معتد ) ظالم متخط للحق ( مريب ) شاك في الله وفى دينه ( الذي جعل ) مبتدأ مضمن معنى الشرط ولذلك أجيب بالفاء . ويجوز أن يكون الذي جعل منصوبا بدلا من كل كفار ويكون ( فألقياه ) تكريرا للتوكيد . فإن قلت : لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى ؟ قلت : لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون . فإن قلت : فأين التقاول ههنا ؟ قلت : لما قال قرينه - هذا ما لدي عتيد - وتبعه قوله - قال قرينه ربنا ما أطغيته - وتلاه - لا تختصموا لدى - علم أن ثم مقاولة من الكافر لكنها طرحت لما يدل عليها كأنه قال : رب هو أطغاني ، فقال قرينه : ربنا ما أطغيته . وأما الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول : أعني محبئ كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له ( ما أطغيته ) ما جعلته طاغيا وما أوقعته في الطغيان . ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى كقوله تعالى - وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي - قال ( لا تختصموا ) استئناف مثل قوله قال قرينه كأن قائلا قال : فماذا قال الله ؟ فقيل قال لا تختصموا . والمعنى : لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة على .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 8 | الزمخشري