ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود . لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد . وكم
أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص .
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . ولقد خلقنا
السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب
شرح
لمصدر خشي : أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب ، أو خشيه بسبب الغيب الذي
أو عده به من عذابه . وقيل في الخلوة حيث لا يراه أحد . فإن قلت : كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة ؟
قلت : للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة ، كما أثنى على بأنه خاش مع أن المخشى منه غائب
ونحوه - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة - فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات . وصف القلب بالإنابة وهى
الرجوع إلى الله تعالى لأن الاعتبار بما ثبت منها في القلب . يقال لهم ( ادخلوها بسلام ) أي سالمين من العذاب وزوال
النعم ، أو مسلما عليكم يسلم عليكم الله وملائكته ( ذلك يوم الخلود ) أي يوم تقدير الخلود كقوله تعالى - فادخلوها
خالدين - أي مقدرين الخلود ( ولدينا مزيد ) هو ما لم يخطر ببالهم ولم تبلغه أمانيهم حتى يشاءوه . وقيل إن السحاب
تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور فتقول نحن المزيد الذي قال الله عز وجل - ولدينا مزيد - ( فنقبوا ) وقرئ بالتخفيف
فخرقوا في البلاد ودوخوا . والتنقيب : التنقير عن الأمر والبحث والطلب . قال الحارث بن حلزة :
نقبوا في البلاد من حذر الموت * وجالوا في الأرض كل مجال
ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله - هم أشد منهم بطشا - أي شدة بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب وقوتهم
عليه . ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون ، فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله
لأنفسهم ، والدليل على صحته قراءة من قرأ فنقبوا على الأمر كقوله تعالى - فسيحوا في الأرض - وقرئ بكسر القاف
مخففة من النقب وهو أن يتنقب خف البعير . قال * ما مسها من نقب ولا دبر * والمعنى : فنقبت أخفاف
إبلهم أو حفيت أقدامهم ونقبت كما تنقب أخفاف الإبل لكثرة طوفهم في البلاد ( هل من محيص ) من الله أو من
الموت ( لمن كان له قلب ) أي قلب واع ، لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له . وإلقاء السمع : الإصغاء ( وهو
شهيد ) أي حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب ، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من
يأخذ عنه :
ما شئت من زهزهة والفتى * بمصقلا باذ لسقى الزروع
أو وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحى من الله ، أو وهو بعض الشهداء في قوله تعالى - لتكونوا شهداء على
الناس - وعن قتادة : وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده . وقرأ السدى وجماعة ألقى السمع
على البناء للمفعول ومعناه : لمن ألقى غيره السمع وفتح له أذنه فحسب ولم يحضر ذهنه وهو حاضر الذهن متفطن .