تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد . ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد . وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وقال قرينه هذا ما لدى عتيد . ألقيا في جهنم
شرح
على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر " وقيل إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه . وقرئ ما يلفظ على البناء للمفعول ، لما ذكر إنكارهم البعث ، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) - ونفخ في الصور - وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل ، والباء في بالحق للتعدية ، يعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله ، أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته . وقيل الحق الذي خلق له الإنسان أن كل نفس ذائقة الموت . ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله - تنبت بالدهن - أي وجاءت ملتبسة بالحق : أي بحقيقة الأمر ، أو بالحكمة والغرض الصحيح كقوله تعالى - خلق السماوات والأرض بالحق - وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما سكرة الحق بالموت على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له وأنها حكمة ، والباء للتعدية لأنها سبب زهوق الروح لشدتها أو لأن الموت يعقبها فكأنها جاءت به ، ويجوز أن يكون المعنى : جاءت ومعها الموت . وقيل سكرة الحق : سكرة الله أضيفت إليه تفظيعا لشأنها وتهويلا ، وقرئ سكرات الموت ( ذلك ) إشارة إلى الموت والخطاب للإنسان في قوله - ولقد خلقنا الإنسان - على طريق الالتفات أو إلى الحق والخطاب للفاجر ( تحيد ) تنفر وتهرب . وعن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحكاه لصالح بن كيسان فقال : والله ما سن عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب هو للكافر ، ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال : أخالفهما جميعا هو للبر والفاجر ( ذلك يوم الوعيد ) على تقدير حذف المضاف : أي وقت ذلك يوم الوعيد ، والإشارة إلى مصدر نفخ ( سائق وشهيد ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله ، أو ملك واحد جامع بين الأمرين كأنه قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها ، ومحل معها سائق النصب على الحال من كل لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة . وقرئ لقد كنت عنك غطاءك فبصرك بالكسر على خطاب النفس : أي يقال لها : لقد كنت جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهولا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر مالم يبصره من الحق . ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لا لتيقظه ( وقال قرينه ) هو الشيطان الذي قيض له في قوله - نقيض له شيطانا فهو قرين - يشهد له قوله تعالى - قال قرينه ربنا ما أطغيته - ( هذا ما لدى عتيد ) هذا شئ لدى وفى ملكتي عتيد لجهنم ، والمعنى : أن ملكا يسوقه وآخر يشهد عليه وشيطانا مقرونا به يقول : قد اعتدته لجهنم وهيئته لها بإغوائي وإضلالي ، فإن قلت : كيف إعراب هذا الكلام ؟ قلت : إن جعلت ما موصوفة فعتيد صفة لها ، وإن جعلتها موصولة فهو بدل أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ( ألقيا ) خطاب من الله تعالى للملكين