وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد . ونفخ في الصور ذلك يوم
الوعيد . وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا
عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وقال قرينه هذا ما لدى عتيد . ألقيا في جهنم
شرح
على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه
سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر " وقيل إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه . وقرئ ما يلفظ على
البناء للمفعول ، لما ذكر إنكارهم البعث ، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه
هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي وهو قوله
( وجاءت سكرة الموت بالحق ) - ونفخ في الصور - وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل ، والباء في بالحق للتعدية ،
يعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله ، أو حقيقة الأمر وجلية الحال من
سعادة الميت وشقاوته . وقيل الحق الذي خلق له الإنسان أن كل نفس ذائقة الموت . ويجوز أن تكون الباء
مثلها في قوله - تنبت بالدهن - أي وجاءت ملتبسة بالحق : أي بحقيقة الأمر ، أو بالحكمة والغرض الصحيح كقوله
تعالى - خلق السماوات والأرض بالحق - وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما سكرة الحق بالموت على إضافة
السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له وأنها حكمة ، والباء للتعدية لأنها
سبب زهوق الروح لشدتها أو لأن الموت يعقبها فكأنها جاءت به ، ويجوز أن يكون المعنى : جاءت ومعها الموت .
وقيل سكرة الحق : سكرة الله أضيفت إليه تفظيعا لشأنها وتهويلا ، وقرئ سكرات الموت ( ذلك ) إشارة إلى الموت
والخطاب للإنسان في قوله - ولقد خلقنا الإنسان - على طريق الالتفات أو إلى الحق والخطاب للفاجر ( تحيد ) تنفر
وتهرب . وعن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحكاه
لصالح بن كيسان فقال : والله ما سن عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب هو للكافر ، ثم حكاهما
للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال : أخالفهما جميعا هو للبر والفاجر ( ذلك يوم الوعيد ) على تقدير
حذف المضاف : أي وقت ذلك يوم الوعيد ، والإشارة إلى مصدر نفخ ( سائق وشهيد ملكان أحدهما يسوقه
إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله ، أو ملك واحد جامع بين الأمرين كأنه قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها ،
ومحل معها سائق النصب على الحال من كل لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة . وقرئ لقد كنت عنك
غطاءك فبصرك بالكسر على خطاب النفس : أي يقال لها : لقد كنت جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو
غشاوة غطى بها عينيه فهولا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر مالم يبصره
من الحق . ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لا لتيقظه ( وقال قرينه ) هو الشيطان الذي قيض له في قوله
- نقيض له شيطانا فهو قرين - يشهد له قوله تعالى - قال قرينه ربنا ما أطغيته - ( هذا ما لدى عتيد ) هذا شئ لدى
وفى ملكتي عتيد لجهنم ، والمعنى : أن ملكا يسوقه وآخر يشهد عليه وشيطانا مقرونا به يقول : قد اعتدته لجهنم
وهيئته لها بإغوائي وإضلالي ، فإن قلت : كيف إعراب هذا الكلام ؟ قلت : إن جعلت ما موصوفة فعتيد صفة لها ،
وإن جعلتها موصولة فهو بدل أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ( ألقيا ) خطاب من الله تعالى للملكين