إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا
لديه رقيب عتيد .
شرح
مقعد القابلة ومقعد الإزار ، قال ذو الرمة * والموت أدنى لي من الوريد * والحبل : العرق شبه بواحد الحبال ،
ألا ترى إلى قوله * كأن وريديه رشا آخلب * والوريدان : عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمهما
متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه . وقيل سمى وريدا لأن الروح ترده . فإن قلت : ما وجه إضافة الحبل إلى
الوريد والشئ لا يضاف إلى نفسه ؟ قلت : في وجهان : أحدهما أن تكون الإضافة للبيان كقولهم بعير سانية .
والثاني أن يراد حبل العاتق فيضاف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق لاجتماعهما في عضو واحد كما لو قيل حبل
العلياء مثلا ( إذ ) منصوب بأقرب ، وساغ ذلك لأن المعاني تعمل في الظرف متقدمة ومتأخرة ، والمعنى ، أنه
لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شئ أخفى منه ، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى
الحفيظان ما يتلفظ به إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غنى عنه ، وكيف لا يستغنى عنه وهو مطلع على أخفى
الخفيان ، وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك وهى ما في كتبة الملكين وحفظهما وعرض صحائف العمل يوم يقوم
الأشهاد ، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات
وعن النبي صلى الله عليه وسلم " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ، ولسان قلمهما ، وريقك مدادهما ، وأنت تجرى
فيما لا يعنيك لا تستحى من الله تعالى ولا منهما " ويجوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب : يعنى ونحن قريبون منه
مطلعون على أحواله مهيمنون عليه إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به . والتلقي ، التلقن بالحفظ والكتبة . والقعيد :
المقاعد كالجليس بمعنى المجالس ، وتقديره : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين ، فترك أحدهما لدلالة
الثاني عليه كقوله * كنت منه ووالدي بريا * ( رقيب ) ملك يرقب عمله ( عتيد ) حاضر . واختلف فيما يكتب
الملكان فقيل يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه ، وقيل لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به ، ويدل عليه قوله
عليه الصلاة والسلام " كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمين