والنخل باسقات لها طلع نضيد . رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك
الخروج . كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود . وعاد وفرعون وإخوان
لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد . أفعيينا بالخلق
الأول بل هم في لبس من خلق جديد . ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به
نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .
شرح
الحنطة والشعير وغيرهما ( باسقات ) طوالا في السماء ، وفى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم باصقات بإبدال
السين صادا لأجل القاف ( نضيد ) منضود بعضه فوق بعض ، إما أن يراد كثرة الطلع وتراكمه أو كثرة ما فيه من الثمر
( رزقا ) على أنبتناها رزقا لأن الإنبات في معنى الرزق ، أو على أنه مفعول له : أي أنبتناها لنرزقهم ( كذلك
الخروج ) كما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم ، والكاف في محل الرفع على الابتداء .
أراد بفرعون قومه كقوله تعالى - من فرعون وملئهم - لأن المعطوف عليه قوم نوح والمعطوفات جماعات ( كل )
يجوز أن يراد به كل واحد منهم ، وأن يراد جميعهم إلا أنه وحد الضمير الراجع إليه على اللفظ دون المعنى ( فحق
وعيد ) فوجب وحل وعيدى ، وهو كلمة العذاب ، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم . عيى
بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله ، والهمزة للإنكار ، والمعنى : أنا لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول حتى نعجز عن
الثاني ، ثم قال : هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول واعترافهم بذلك في طية الاعتراف بالقدرة على الإعادة
( بل هم في لبس ) أي في خلط وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم ، ومنه قول علي رضي الله عنه : يا حار إنه
لملبوس عليك اعرف الحق تعرف أهله ، ولبس الشيطان عليهم تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة ،
فتركوا لذلك القياس الصحيح أن من قدر على الانشاء كان على الإعادة أقدر . فإن قلت : لم نكر الخلق الجديد
وهلا عرف كما عرف الخلق الأول ؟ قلت : قصد في تنكيره إلى خلق جديد له شأن عظيم وحال شديدة حق من
سمع به أن يهتم به ويخاف ويبحث عنه ولا يقعد على لبس في مثله . الوسوسة : الصوت الخفي ومنها وسواس
الحلى ، ووسوسة النفس : ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس . والباء مثلها في قولك
صوت بكذا وهمس به ، ويجوز أن تكون للتعدية والضمير للإنسان : أي ما تجعله موسوسا وما مصدرية لأنهم
يقولون حدث نفسه بكذا كما يقولون حدثته به نفسه ، قال : * وأكذب النفس إذا حدثتها * ( ونحن أقرب
إليه ) مجاز ، والمراد قرب علمه منه وأنه يتعلق بمعلومه منه ومن أحواله تعلقا لا يخفى عليه شئ من خفياته فكأن
ذاته قريبة منه ، كما يقال الله في كل مكان وقد جل عن الأمكنة . وحبل الوريد مثل في فرط القرب كقولهم هو منى