ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين . على سرر موضونة . متكئين عليها متقابلين
يطوف عليهم ولدان مخلدون . بأكواب وأباريق وكأس من معين . لا يصدعون
عنها ولا ينزفون .
شرح
قال : وجاءت إليهم ثلة خندفية * بجيش كتيار من السيل مزبد
وقوله عز وجل ( وقليل من الآخرين ) كفى به دليلا على الكثرة وهى من الثل وهو الكسر ، كما أن الأمة من
الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم ، والمعنى : أن السابقين من الأولين كثير وهم الأمم
من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ( وقليل من الآخرين ) وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ،
وقيل من الأولين من متقدمي هذه الأمة ومن الآخرين من متأخريها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " الثلتان جميعا
من أمتي " . فإن قلت : كيف قال : وقليل من الآخرين ، ثم قال : وثلة من الآخرين ؟ قلت : هذا في السابقين
وذلك في أصحاب اليمين ، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا . فإن قلت : فقد روى أنها لما نزلت شق
ذلك على المسلمين فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ثلة من الأولين وثلة من الآخرين .
قلت : هذا لا يصح لأمرين : أحدهما أن هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا ، وكذلك الثانية في أصحاب
اليمين ، ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم على السابقين ووعدهم . والثاني أن النسخ في الأخبار غير
جائز . وعن الحسن رضي الله عنه : سابقوا الأمم أكثر من سابقي أمتنا وتابعوا الأمم مثل تابعي هذه الأمة . وثلة
خبر مبتدأ محذوف : أي هم ثلة ( موضونة ) مرمولة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت قد دوخل بعضها في بعض
كما توضن حلق الدرع ، قال الأعشى * ومن نسج داود موضونة * وقيل متواصلة أدنى بعضها من بعض
( متكئين ) حال من الضمير في علي وهو العامل فيها : أي استقروا عليها متكئين ( متقابلين ) لا ينظر بعضهم
في أقفاء بعض ، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب ( مخلدون ) مبقون أبدا على شكل الولدان وحد
الوصافة لا يتحولون عنه . وقيل مقرطون ، والخلدة القرط . وقيل هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا
عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها . روى عن علي رضي الله عنه وعن الحسن ، وفى الحديث " أولاد الكفار خدام
أهل الجنة " . الأكواب أوان بلا عرى وخراطيم ، والأباريق ذوات الخراطيم ( لا يصدعون عنها ) أي بسببها