إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا . وكنتم
أزواجا ثلاثة . فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة . وأصحاب المشئمة
ما أصحاب المشئمة . والسابقون السابقون . أولئك المقربون . في جنات النعيم .
شرح
الدركات والسعداء يرفعون إلى الدرجات ، وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها فتخفض بعضا وترفع
بعضا حيث تسقط السماء كسفا وتنتثر الكواكب وتتكدر وتسير الجبال فتمر في الجو مر السحاب ، وقرئ خافضة
رافعة بالنصب على الحال ( رجت ) حركت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شئ فوقها من جبل وبناء ( وبست
الجبال ) وفتت حتى تعود كالسويق أو سيقت ، من بس الغنم إذا ساقها كقوله - وسيرت الجبال - ( منبثا ) متفرقا ،
وقرئ بالتاء أي منقطعا . وقرئ رجت وبست : أي ارتجت وذهبت ، وفى كلام بنت الخس : عينها هاج وصلاها
راج وهى تمشى وتفاج . فإن قلت : بم انتصب إذا رجت ؟ قلت : هو بدل من إذا وقعت ، ويجوز أن ينتصب
بخافضة رافعة : أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال ، لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع
ما هو مخفض ( أزواجا ) أصنافا ، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج
( فأصحاب الميمنة ) الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ( وأصحاب المشأمة ) الذين يؤتونها بشمائلهم ، أو أصحاب المنزلة
السنية وأصحاب المنزلة الدنية ، ومن قولك فلان منى باليمين وفلان منى بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة
وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل ولتفاؤلهم بالسانح وتطيرهم من البارح ، ولذلك اشتقوا لليمين الاسم من
اليمن وسموا الشمال الشؤمى ، وقيل أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة أصحاب اليمن والشؤم لأن السعداء ميامين على
أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم . وقيل يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال
( والسابقون ) المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل . وقيل الناس
ثلاثة : فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا السابق المقرب ، ورجل ابتكر
عمره بالذنب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب اليمين ، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل عليه
حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال . ما أصحاب الميمنة وما أصحاب المشأمة تعجيب من حال الفريقين
في السعادة والشقاوة . والمعنى : أي شئ هم . ( والسابقون السابقون ) يريد والسابقون من عرفت حالهم وبلغك
وصفهم كقوله وعبد الله عبد الله ، وقول أبى النجم * وشعرى شعري * كأنه قال : وشعرى ما انتهى إليك
وسمعت بفصاحته وبراعته ، وقد جعل السابقون تأكيدا وأولئك المقربون خبرا وليس بذاك . ووقف بعضهم على
والسابقون وابتدأ السابقون أولئك المقربون ، والصواب أن يوقف على الثاني لأنه تمام الجملة وهو في مقابلة
ما أصحاب الميمنة وما أصحاب المشأمة ( المقربون في جنات النعيم ) الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت
مراتبهم وقرئ في جنة النعيم . والثلة الأمة من الناس الكثيرة ،