فشاربون شرب الهيم . هذا نزلهم يوم الدين . نحن خلقناكم فلولا تصدقون .
أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . نحن قدرنا بينكم الموت
وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالا تعلمون . ولقد علمتم
النشأة الأولى فلولا تذكرون . أفرأيتم ما تحرثون .
شرح
ذكر الثاني على تأويل الزقوم لأنه تفسيرها وهى في معناه ( شرب الهيم ) قرئ بالحركات الثلاث فالفتح والضم
مصدران . وعن جعفر الصادق رضي الله عنه : أيام أكل وشرب بفتح الشين . وأما المكسور فبمعنى المشروب :
أي ما يشربه الهيم وهى الإبل التي بها الهيام وهو داء تشرب منه فلا تروى جمع أهيم وهيماء ، قال ذو الرمة :
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد * صداها ولا يقضى عليها هيامها
وقيل الهيم الرمال ، ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على فعل كسحاب
وسحب ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض ، والمعنى : أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم
الذي هو كالمهل ، فإذا ملئوا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم
فيشربونه شرب الهيم . فإن قلت : كيف صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان
فكان عطفا للشئ على نفسه ؟ قلت : ليستا بمتفقتين من حيث إن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهى
الحرارة ، وقطع الأمعاء أمر عجيب ، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا فكانتا صفتين
مختلفتين . النزل . الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له ، وفى تهكم كما في قوله تعالى - فبشرهم بعذاب أليم - وكقول
أبى الشعر الضبي :
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وقرئ نزلهم بالتخفيف ( فلولا تصدقون ) تحضيض على التصديق إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدقين به إلا
أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق فكأنهم مكذبون به ، وإما بالبعث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه
أن يخلق ثانيا ( ما تمنون ) ما تمنونه أي تقذفونه في الأرحام من النطف ، وقرأ أبو السمال بفتح التاء يقال أمنى النطفة
ومناها قال الله تعالى - من نطفة إذا تمنى - ( تخلقونه ) تقدرونه وتصورونه ( قدرنا بينكم الموت ) تقديرا وقسمناه
عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ،
وقرئ قدرنا بالتخفيف . سبقته على الشئ إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله ( وما نحن
بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ) أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه . وأمثالكم جمع مثل : أي على أن نبدل
منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق ( و ) على أن ( ننشئكم ) في خلق لا تعلمونها وما عهدتهم بمثلها ، يعنى أنا نقدر على
الأمرين جميعا على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم . ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل :
أي على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم وتنشئكم في صفات لا تعلمونها . قرئ النشأة
والنشاءة ، وفى هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى ( أفرأيتم ما تحرثون ) ه