ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناها أخذ عزيز مقتدر .
أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر . أم يقولون نحن جميع
منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر
إن المجرمين في ضلال وسعر . يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس
سقر . إنا كل شئ خلقناه بقدر . وما أمرنا إلا واحدة
شرح
العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان ( النذر ) موسى وهارون وغيرهما من
الأنبياء لأنهما عرضا عليهم ما أنذر بهم المرسلون ، أو جمع نذير وهو الإنذار ( بآياتنا كلها ) بالآيات التسع ( أخذ
عزيز ) لا يغالب ( مقتدر ) لا يعجزه شئ ( أكفاركم ) يا أهل مكة ( خير من أولئكم ) الكفار المعدودين قوم
نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون : أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفروا وعنادا ، يعنى أن
كفاركم مثل أولئك بل شر منهم ( أم ) أنزلت عليكم يا أهل مكة ( براءة ) في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم
وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة ( نحن جميع ) جماعة أمرنا مجتمع ( منتصر ) ممتنع لا نرام ولا
نضام . وعن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف وقال : نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه فنزلت
( سيهزم الجمع ) عن عكرمة لما نزلت هذه الآية قال عمر : أي جمع يهزم ؟ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يثب في الدرع ويقول : سيهزم الجمع ، عرف تأويلها ( وولون الدبر ) أي الأدبار كما قال :
* كلوا في بعض بطنكم تعفوا * وقرئ الإدبار ( أدهى ) أشد وأفظع ، والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه
( وأمر ) من الهزيمة والقتل والأسر . وقرئ سنهزم الجمع ( في ضلال وسعر ) في هلاك ونيران ، أو في ضلال عن
الحق في الدنيا ونيران في الآخرة ( مس سقر ) كقولك وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم
بحرها ولفحتهم بإيلامها فكأنها تمسهم مسا بذلك كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذى ويؤلم . وذوقوا على إرادة
القول . وسقر على لجهنم ، من سقرته النار وصقرته إذا لوحته ، قال ذو الرمة :
إذا ذابت الشمس أنقى صقراتها * بأفنان مربوع الصريمة معبل
وعدم صرفها للتعريف والتأنيث ( كل شئ ) منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وقرئ كل شئ بالرفع ،
والقدر والقدر والتقدير وقرئ بهما : أي خلقنا كل شئ مقدرا محكما مرتبا حسب ما اقتضه الحكمة أو مقدرا
مكتوبا في اللوح معلوما قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه ( وما أمرنا إلا واحدة ) إلا كلمة واحدة سريعة التكوين