والسماء رفعها ووضع الميزان . ألا تطغوا في الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط
ولا تخسروا الميزان . والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنحل ذات الأكمام
شرح
المكلفين في انقياده . فإن قلت : كيف اتصلت الجملتان بالرحمن ؟ قلت : استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل
المعنوي لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا غيره ، كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان
له . فإن قلت : كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول ثم جئ به بعد ؟ قلت : بكت بتلك الجمل الأول واردة
على سنن التعديد ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه . كما يبكت منكر
أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدمته ، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل
ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف . فإن قلت : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟
قلت : إن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان ، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل ، وأن السماء
والأرض لا تزالان تذكران قرينتين وإن جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب
لسجود النجم والشجر ، وقيل علم القرآن جعله علامة وآية . وعن ابن عباس رضي الله عنه : الإنسان آدم ، وعنه
أيضا : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن مجاهد : النجوم نجوم السماء ( والسماء رفعها ) خلقها مرفوعة
مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي
على أنبياءه ، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه ( ووضع الميزان ) وفى قراءة عبد الله وخفض الميزان
وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس : أي خلقه موضوعا
مخفوضا على الأرض حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخدهم وإعطائهم
( ألا تطغوا ) لئلا تطغوا أو هي أن المفسرة . وقرأ عبد الله لا تطغوا بغير أن على إرادة القول ( وأقيموا الوزن
بالقسط ) وقوموا وزنكم بالعدول ( ولا تخسروا الميزان ) ولا تنقصوه ، أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو
اعتداء وزيادة ، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان ، وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتقوية للأمر
باستعماله والحث عليه . وقرئ والسماء بالرفع ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها ، يقال خسر
الميزان يخسره ويخسره ، وأما الفتح فعلى أن الأصل ولا تخسروا في الميزان فحذف الجار وأوصل الفعل ( وضعها )
خفضها مدحوة على الماء ( للأنام ) للخلق وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة . وعن الحسن : الإنس والجن
فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها ( فاكهة ) ضروب مما يتفكه به ، و ( الأكمام ) كل ما يكم : أي يغطى من ليفة
وسعفة وكفراة وكله منتفع به كما ينفع بالمكوم من ثمره وجماره وجذوعه . وقيل الأكمام أوعية التمر ، الواحد كم