تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر . فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا . عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر . كذبت قوم لوط بالنذر . إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر . نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر . ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر . ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر . ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر . ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر .
شرح
ولا تعجل حتى يأتيك أمري ( قسمة بينهم ) مقسوم بينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم ، وإنما قال بينهم تغليبا للعقلاء ( مختضر ) محضور لهم أو للناقة . وقيل يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها ( صاحبهم ) قدار بن سالف أحيمر ثمود ( فتعاطى ) فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث له . فأحدث العقر بالناقة ، وقيل فتعاطى الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف ( صيحة واحدة ) صيحة جبريل . والهشيم : الشجر اليابس المتهشم المتكسر . و ( المحتظر ) الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم . وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار : أي الحظيرة ( حاصبا ) ريحا تحصبهم بالحجارة : أي ترميهم ( بسحر ) بقطع من الليل وهو السدس الأخير منه ، وقيل هما سحران : فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر ، والآخر عند انصداعه وأنشد * مرت بأعلى السحرين تدأل * وصرف لأنه نكرة ، ويقال لقيته سحر إذا لقيته في سحر يومه ( نعمة ) إنعاما مفعول له ( من شكر ) نعمة الله بإيمانه وطاعته ( ولقد أنذرهم ) لوط عليه السلام ( بطشتنا ) أخذتنا بالعذاب ( فتماروا ) فكذبوا ( بالنذر ) متشاكين ( فطمسنا أعينهم ) فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق . روى أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة : خلهم يدخلوا - إنا رسل ربك لن يصلوا إليك - فصفتهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط ( فذوقوا ) فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة ( بكرة ) أول النهار وباكره فقوله مشرقين ومصبحين . وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما بكرة غير منصرفة ، تقول : أتيته بكرة وغدوة بالتنوين إذا أردت التنكير ، وبغيره إذا عرفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته ( عذاب مستقر ) ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضى بهم إلى عذاب الآخرة . فإن قلت : ما فائدة تكرير قوله ( فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من المدكر ) ؟ قلت : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين أدكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه ، وأن يقرع لهم العصا مرات ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو ولا تستولى عليهم الغفلة ، وهكذا حكم التكرير كقوله - فبأي آلاء ربكما تكذبان - عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن ، وقوله - ويل يومئذ للمكذبين - عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 40 | الزمخشري