ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر . فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا . عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر . كذبت قوم لوط بالنذر . إنا أرسلنا
عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر . نعمة من عندنا كذلك نجزى
من شكر . ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر . ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا
أعينهم فذوقوا عذابي ونذر . ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي
ونذر . ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر .
شرح
ولا تعجل حتى يأتيك أمري ( قسمة بينهم ) مقسوم بينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم ، وإنما قال بينهم تغليبا
للعقلاء ( مختضر ) محضور لهم أو للناقة . وقيل يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها ( صاحبهم ) قدار بن
سالف أحيمر ثمود ( فتعاطى ) فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث له . فأحدث العقر بالناقة ، وقيل
فتعاطى الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف ( صيحة واحدة ) صيحة جبريل . والهشيم : الشجر اليابس المتهشم المتكسر .
و ( المحتظر ) الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم . وقرأ الحسن
بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار : أي الحظيرة ( حاصبا ) ريحا تحصبهم بالحجارة : أي ترميهم ( بسحر ) بقطع
من الليل وهو السدس الأخير منه ، وقيل هما سحران : فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر ، والآخر عند انصداعه
وأنشد * مرت بأعلى السحرين تدأل * وصرف لأنه نكرة ، ويقال لقيته سحر إذا لقيته في سحر يومه ( نعمة )
إنعاما مفعول له ( من شكر ) نعمة الله بإيمانه وطاعته ( ولقد أنذرهم ) لوط عليه السلام ( بطشتنا ) أخذتنا بالعذاب
( فتماروا ) فكذبوا ( بالنذر ) متشاكين ( فطمسنا أعينهم ) فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق . روى
أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة : خلهم يدخلوا - إنا رسل ربك لن يصلوا إليك -
فصفتهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط ( فذوقوا )
فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة ( بكرة ) أول النهار وباكره فقوله مشرقين ومصبحين . وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما
بكرة غير منصرفة ، تقول : أتيته بكرة وغدوة بالتنوين إذا أردت التنكير ، وبغيره إذا عرفت وقصدت
بكرة نهارك وغدوته ( عذاب مستقر ) ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضى بهم إلى عذاب الآخرة . فإن قلت :
ما فائدة تكرير قوله ( فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من المدكر ) ؟ قلت : فائدته أن يجددوا
عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين أدكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك
والبعث عليه ، وأن يقرع لهم العصا مرات ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو ولا تستولى عليهم الغفلة ،
وهكذا حكم التكرير كقوله - فبأي آلاء ربكما تكذبان - عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن ، وقوله - ويل يومئذ
للمكذبين - عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك