تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
كأنهم جراد منتشر . مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر . كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا . فالتقى الماء على أمر قد قدر .
شرح
من القبور ( كأنهم جراد منتشر ) الجراد مثل في الكثرة والتموج ، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاءوا كالجراد والكدبا منتشر في كل مكان لكثرته ( مهطعين إلى الداع ) مسرعين مادي أعناقهم إليه ، وقيل ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم ، قال : تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع ( قبلهم ) قبل أهل مكة ( فكذبوا عبدنا ) يعنى نوحا . فإن قلت : ما معنى قوله تعالى - فكذبوا - بعد قوله كذبت ؟ قلت : معناه كذبوا فكذبوا عبدنا : أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا : أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل ( مجنون ) هو مجنون ( وازدجر ) وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم - لتكونن من المرجومين - وقيل هو من جملة قيلهم : أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه . قرئ أنى بمعنى فدعا بأني مغلوب وإني على إرادة القول فدعا فقال إني مغلوب غلبني قومي فلم يسمعوا منى واستحكم اليأس من إجابتهم لي ( فانتصر ) فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم ، وإنما دعا بذلك بعدما طم عليه الأمر وبلغ السيل الزبى . فقد روى أن الواحد من أمته كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيفيق وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وقرئ ففتحنا مخففا ومشددا وكذلك وفجرنا ( منهمر ) منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما ( وفجرنا الأرض عيونا وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر وهو أبلغ من قولك وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم - واشتعل الرأس شيبا - ( فالتقى الماء ) يعنى مياه السماء والأرض . وقرئ المآن : أي النوعان من الماء السماوي والأرضي ونحوه قولك عندي تمران تريد ضربان من التمر برني ومعقلي ، قال * لنا إبلان فيهما ما علمتم * وقرأ الحسن الماوان بقلب الهمزة واوا كقولهم علباوان ( على أمر قد قدر ) على حال قدرها الله كيف شاء . وقيل على حال جاءت مقدرة مستوية ، وهى أن قدر ما أنزل من
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 37 | الزمخشري