كأنهم جراد منتشر . مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر . كذبت
قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أنى مغلوب
فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا . فالتقى الماء
على أمر قد قدر .
شرح
من القبور ( كأنهم جراد منتشر ) الجراد مثل في الكثرة والتموج ، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض
جاءوا كالجراد والكدبا منتشر في كل مكان لكثرته ( مهطعين إلى الداع ) مسرعين مادي أعناقهم إليه ، وقيل
ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم ، قال :
تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع
( قبلهم ) قبل أهل مكة ( فكذبوا عبدنا ) يعنى نوحا . فإن قلت : ما معنى قوله تعالى - فكذبوا - بعد قوله
كذبت ؟ قلت : معناه كذبوا فكذبوا عبدنا : أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب
تبعه قرن مكذب أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا : أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا
كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل ( مجنون ) هو مجنون ( وازدجر ) وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم
في قولهم - لتكونن من المرجومين - وقيل هو من جملة قيلهم : أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته
وذهبت بلبه وطارت بقلبه . قرئ أنى بمعنى فدعا بأني مغلوب وإني على إرادة القول فدعا فقال إني مغلوب غلبني
قومي فلم يسمعوا منى واستحكم اليأس من إجابتهم لي ( فانتصر ) فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم ، وإنما دعا بذلك
بعدما طم عليه الأمر وبلغ السيل الزبى . فقد روى أن الواحد من أمته كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه
فيفيق وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وقرئ ففتحنا مخففا ومشددا وكذلك وفجرنا ( منهمر )
منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما ( وفجرنا الأرض عيونا وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر
وهو أبلغ من قولك وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم - واشتعل الرأس شيبا - ( فالتقى الماء ) يعنى مياه السماء
والأرض . وقرئ المآن : أي النوعان من الماء السماوي والأرضي ونحوه قولك عندي تمران تريد ضربان من التمر
برني ومعقلي ، قال * لنا إبلان فيهما ما علمتم * وقرأ الحسن الماوان بقلب الهمزة واوا كقولهم علباوان ( على
أمر قد قدر ) على حال قدرها الله كيف شاء . وقيل على حال جاءت مقدرة مستوية ، وهى أن قدر ما أنزل من