تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . في جنة عالية . لا تسمع فيها لاغية . فيها عين جارية . فيها سرر مرفوعة . وأكواب موضوعة . ونمارق مصفوفه . وزرابي مبثوثة . أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى الأرض كيف سطحت .
شرح
لا يسمن ، فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر ، فيرد قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع ( ناعمة ) ذات بهجة وحسن كقوله - تعرف في وجوههم نضرة النعيم - أو متنعمة ( لسعيها راضية ) رضيت بعملها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب ( عالية ) من علو المكان أو المقدار ( لا تسمع ) يا مخاطب أو الوجوه ( لاغية ) أي لغوا أو كلمة ذات لغو أو نفسا تلغو لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم . وقرئ لا تسمع على البناء للمفعول بالتاء والياء ( فيها عين جارية ) يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله - علمت نفس - ( مرفوعة ) من رفعة المقدار أم السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم ، وقيل مخبوة لهم من رفع الشئ إذا خبأه ( موضوعة ) كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم عتيدة حاضرة لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها ، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشراب ، ويجوز أن يراد موضوعة عن حد الكبار أوساط بين الصغر والكبر كقوله - قدروها تقديرا - ( مصفوفة ) بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على مسورة واستند إلى أخرى ( وزرابي ) وبسط عراض فاخرة . وقيل هي الطنافس التي لها خمل رقيق جمع زربية ( مبثوثة ) مبسوطة أو مفرقة في المجالس ( أفلا ينظرون إلى الإبل ) نظر اعتبار ( كيف خلقت ) خلقا عجيبا دالا على تقدير مقدر شاهدا بتدبير مدبر حيث خلقها للنهوض بالاثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغيرا ، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار ، وعن بعض الحكماء أنه حدث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها ففكر ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق ، وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش حتى أن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شئ نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم . وعن سعيد بن جبير قال : لقيت شريحا القاضي فقلت : أين تريد ؟ قال : أريد الكناسة ، قلت : وما تصنع بها ؟ قال : أنظر إلى الإبل كيف خلقت ؟ فإن قلت : كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة ؟ قلت : قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله إلا طلب المناسبة ، ولعله لم يرد أن الإبل في أسماء السحاب كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين ، وغير ذلك ، وإنما رأى السحاب مشبها بالإبل كثيرا في أشعارهم فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز ( كيف رفعت ) رفعا بعيد المدى بلا مساك وبغير عمد ، و ( كيف نصبت ) نصبا ثابتا فهي راسخة لاتميل ولا تزول ، و ( كيف سطحت ) سطحا بتمهيد وتوطئة فهي مهاد للمتقلب عليها . وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلقت ورفعت ونصبت