وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . في جنة عالية . لا تسمع فيها لاغية . فيها عين
جارية . فيها سرر مرفوعة . وأكواب موضوعة . ونمارق مصفوفه . وزرابي مبثوثة .
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف
نصبت . وإلى الأرض كيف سطحت .
شرح
لا يسمن ، فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر ، فيرد قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا
فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع
( ناعمة ) ذات بهجة وحسن كقوله - تعرف في وجوههم نضرة النعيم - أو متنعمة ( لسعيها راضية ) رضيت بعملها
لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب ( عالية ) من علو المكان أو المقدار ( لا تسمع ) يا مخاطب أو الوجوه
( لاغية ) أي لغوا أو كلمة ذات لغو أو نفسا تلغو لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم
الدائم . وقرئ لا تسمع على البناء للمفعول بالتاء والياء ( فيها عين جارية ) يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله - علمت
نفس - ( مرفوعة ) من رفعة المقدار أم السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم ، وقيل
مخبوة لهم من رفع الشئ إذا خبأه ( موضوعة ) كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم عتيدة حاضرة
لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها ، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشراب ، ويجوز أن يراد موضوعة عن حد
الكبار أوساط بين الصغر والكبر كقوله - قدروها تقديرا - ( مصفوفة ) بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح
أينما أراد أن يجلس جلس على مسورة واستند إلى أخرى ( وزرابي ) وبسط عراض فاخرة . وقيل هي الطنافس التي
لها خمل رقيق جمع زربية ( مبثوثة ) مبسوطة أو مفرقة في المجالس ( أفلا ينظرون إلى الإبل ) نظر اعتبار ( كيف
خلقت ) خلقا عجيبا دالا على تقدير مقدر شاهدا بتدبير مدبر حيث خلقها للنهوض بالاثقال وجرها إلى البلاد
الشاحطة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها
لا تعاز ضعيفا ولا تمانع صغيرا ، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار ، وعن بعض الحكماء أنه حدث عن البعير
وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها ففكر ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق ، وحين أراد بها أن تكون
سفائن البر صبرها على احتمال العطش حتى أن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شئ نابت
في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم . وعن سعيد بن جبير قال : لقيت شريحا القاضي فقلت : أين تريد ؟
قال : أريد الكناسة ، قلت : وما تصنع بها ؟ قال : أنظر إلى الإبل كيف خلقت ؟ فإن قلت : كيف حسن ذكر
الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة ؟ قلت : قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم
فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله إلا طلب المناسبة ،
ولعله لم يرد أن الإبل في أسماء السحاب كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين ، وغير ذلك ، وإنما رأى السحاب
مشبها بالإبل كثيرا في أشعارهم فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز ( كيف رفعت ) رفعا بعيد
المدى بلا مساك وبغير عمد ، و ( كيف نصبت ) نصبا ثابتا فهي راسخة لاتميل ولا تزول ، و ( كيف سطحت )
سطحا بتمهيد وتوطئة فهي مهاد للمتقلب عليها . وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلقت ورفعت ونصبت