هل أتاك حديث الغاشية . وجوه يومئذ خاشعة . عاملة ناصبة . تصلى نارا حامية .
تسقى من عين آنية ، ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغنى من جوع .
شرح
الغاشية الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها : يعنى القيامة من قوله - يوم يغشاهم العذاب -
وقيل النار من قوله - وتغشى وجوههم النار - ومن فوقهم غواش - ( يومئذ ) يوم إذ غشيت ( خاشعة ) ذليلة
( عاملة ناصبة ) تعمل في النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال ، وخوضها في النار كما تخوض الإبل
في الوحل ، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار ، وهبوطها في حدور منها . وقيل عملت في الدنيا أعمال السوء
والتذت بها وتنعمت ، فهي في نصب منها في الآخرة . وقيل عملت ونصبت في أعمال لا تجدى عليها في الآخرة من
قوله - وقدمنا إلى ما عملوا من عمل - وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - أولئك حبطت أعمالهم - وقيل الذين هم
أصحاب الصوامع ، ومعناه : أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب .
وقرئ عاملة ناصبة على الشتم . قرئ تصلى بفتح التاء وتصلى بضمها وتصلى بالتشديد ، وقيل المصلى عند العرب
أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على
المقلى أو في التنور فلا يسمى مصليا ( آنية ) متناهية في الحر كقوله - وبين حميم آن - . الضريع : يبيس الشبرق ،
وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذ يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل ، قال أبو ذؤيب :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوي * وعاد ضريعا بان عنه النحائص
وقال :
وحبسن في هزم الضريع فكلها * حدباء دامية اليدين حرود
فإن قلت : كيف قيل ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) وفى الحاقة - ولا طعام إلا من غسلين - ؟ قلت : العذاب
ألوان والمعذبون طبقات ، فمنهم أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع - لكل باب منهم جزء
مقسوم - ( لا يسمن ) مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع : يعنى أن طعامهم من شئ ليس من
مطاعم الانس : وإنما هو شوك ، والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به ، وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه ، ومنفعتا
الغذاء منتفيتان عنه وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن ، أو أريد أن لا طعام لهم أصلا لان الضريع
ليس بطعام للبهائم فضلا عن الانس ، لان العظام ما أشبع أو أسمن وهو منهما بمعزل كما تقول : ليس لفلان ظل
إلا الشمس ، تريد نفى الظل على التوكيد . وقيل قالت كفار قريش : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا ، فنزلت