ألم تر كيف فعل ربك بعاد . إرم ذات العماد . التي لم يخلق مثلها في البلاد .
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد . وفرعون ذي الأوتاد . الذين طغوا في البلاد .
شرح
والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله - ألم تر - إلى قوله - فصب عليهم ربك سوط عذاب - قيل لعقب
عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد كما يقال لبنى هاشم هاشم ، ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية
لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة ، قال ابن الرقيات :
مجدا تليدا بناه أوله * أدرك عادا وقبلها إرما
فإرم في قوله ( بعاد . إرم ) عطف بيان لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة ، وقيل إرم بلدتهم وأرضهم التي
كانوا فيها ، ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة وتقديره بعاد أهل إرم كقوله - واسأل القرية - ولم
تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث . وقرأ الحسن بعاد إرم مفتوحتين ، وقرئ بعاد إرم بسكون الراء
على التخفيف كما قرئ بورقكم . وقرئ بعاد إرم ذات العماد بإضافة إرم إلى ذات العماد ، والإرم : العلم ،
يعنى بعاد أهل أعلام ذات العماد ، و ( ذات العماد ) اسم المدينة ، وقرئ بعاد أرم ذات العماد : أي جعل الله ذات
العماد رميما بدل من فعل ربك ، وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد ، أو
طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة ، ومنه قولهم رجل معمد وعمدان إذا كان طويلا . وقيل ذات البناء
الرفيع ، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطير . وروى أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ، ثم
مات شديد وخلص الامر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى مثلها ، فبنى إرم
في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة ، وهى مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة
وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ،
فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب
إبل له ، فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله
فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى
عقبه خال يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذلك الرجل ( لم يخلق مثلها ) مثل
عاد ( في البلاد ) عظم أجرام وقوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع ، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها
فيلقيها على الحي فيهلكهم ، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا . وقرأ ابن الزبير لم يخلق مثلها : أي لم
يخلق الله مثلها ( جابوا الصخر ) قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا كقوله - وتنحتون من الجبال بيوتا - قيل أول
من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة . قيل له ذو الأوتاد لكثرة
جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا ، أو لتعذيبه بالأوتاد كما فعل بماشطة بنته وبآسية ( الذين طغوا )
أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب عن الذم . ويجوز أن يكون مرفوعا على هم الذين طغوا ، أو مجرورا
على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون . يقال صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن