تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا . لنخرج به حبا ونباتا . وجنات ألفافا . إن يوم الفصل كان ميقاتا . يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا .
شرح
المعصرات الرياح ذوات الأعاصير . وعن الحسن وقتادة : هي السماوات . وتأويله أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب ، فكأن السماوات يعصرن : أي يحملن على العصر ويمكن منه . فإن قلت : فما وجه من قرأ من المعصرات وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير والمطر لا ينزل من الرياح ؟ قلت : الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرأ خلافه فصح أن تجعل مبدأ للانزال ، وقد جاء " إن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب " فإن صح ذلك فالانزال منها ظاهر . فإن قلت : ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات ، والعاصر هو المغيث لا المعصر يقال عصره فاعتصر . قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرن : أي حان لها أن تعصر أي تغيث ( ثجاجا ) منصبا بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه ، وفى الحديث " أفضل الحج العج والثج " أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى ، وكان ابن عباس مثجا يسيل غربا : يعنى يثج الكلام ثجا في خطبته . وقرأ الأعرج ثجاحا ومثاجح الماء مصابه والماء ينثجح في الوادي ( حبا ونباتا ) يريد ما يتقوت من نحو الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش كما قال - كلوا وارعوا أنعامكم - والحب ذو العصف والريحان - ( ألفافا ) ملتفة ولا واحد له كالاوزاع والأخياف ، وقيل الواحد لف ، وقال صاحب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي : جنة لف وعيش مغدق * وندامى كلهم بيض زهر وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف ثم ألفاف ، وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار ، ولو قيل هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها ( كان ميقاتا ) كان في تقدير الله وحكمه حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حدا للخلائق ينتهون إليه ( يوم ينفخ ) بدل من يوم الفصل أو عطف بيان ( فتأتون أفواجا ) من القبور إلى الموقف أمما كل أمة مع إمامهم ، وقيل جماعات مختلفة ، وعن معاذ رضي الله عنه " أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : تحشر عشرة أصناف من أمتي : بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عميا ، وبعضهم صما بكما ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم . فأما الذين على صور القردة فالقتات من الناس ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ، وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم . وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " . وقرئ وفتحت بالتشديد والتخفيف ، والمعنى : كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة كأنها ليست إلا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 208 | الزمخشري