وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا . لنخرج به حبا ونباتا . وجنات ألفافا . إن يوم
الفصل كان ميقاتا . يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا .
شرح
المعصرات الرياح ذوات الأعاصير . وعن الحسن وقتادة : هي السماوات . وتأويله أن الماء ينزل من السماء إلى
السحاب ، فكأن السماوات يعصرن : أي يحملن على العصر ويمكن منه . فإن قلت : فما وجه من قرأ من المعصرات
وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير والمطر لا ينزل من الرياح ؟ قلت : الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرأ خلافه
فصح أن تجعل مبدأ للانزال ، وقد جاء " إن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب " فإن
صح ذلك فالانزال منها ظاهر . فإن قلت : ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات ، والعاصر هو
المغيث لا المعصر يقال عصره فاعتصر . قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرن : أي حان لها أن تعصر أي تغيث
( ثجاجا ) منصبا بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه ، وفى الحديث " أفضل الحج العج والثج " أي رفع الصوت بالتلبية
وصب دماء الهدى ، وكان ابن عباس مثجا يسيل غربا : يعنى يثج الكلام ثجا في خطبته . وقرأ الأعرج ثجاحا
ومثاجح الماء مصابه والماء ينثجح في الوادي ( حبا ونباتا ) يريد ما يتقوت من نحو الحنطة والشعير وما يعتلف من
التبن والحشيش كما قال - كلوا وارعوا أنعامكم - والحب ذو العصف والريحان - ( ألفافا ) ملتفة ولا واحد له
كالاوزاع والأخياف ، وقيل الواحد لف ، وقال صاحب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي :
جنة لف وعيش مغدق * وندامى كلهم بيض زهر
وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف ثم ألفاف ، وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار ، ولو
قيل هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولا وجيها ( كان ميقاتا ) كان في تقدير الله وحكمه حدا توقت به
الدنيا وتنتهي عنده أو حدا للخلائق ينتهون إليه ( يوم ينفخ ) بدل من يوم الفصل أو عطف بيان ( فتأتون أفواجا )
من القبور إلى الموقف أمما كل أمة مع إمامهم ، وقيل جماعات مختلفة ، وعن معاذ رضي الله عنه " أنه سأل عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : تحشر
عشرة أصناف من أمتي : بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم
فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عميا ، وبعضهم صما بكما ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على
صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون
على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم . فأما
الذين على صور القردة فالقتات من الناس ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ، وأما المنكسون على
وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين
يمضغون ألسنتهم فالعماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم . وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين
يؤذون الجيران ، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف
فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر
والخيلاء " . وقرئ وفتحت بالتشديد والتخفيف ، والمعنى : كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة كأنها ليست إلا