وفتحت السماء فكانت أبوابا . وسيرت الجبال فكانت سرابا . إن جهنم كانت
مرصادا . للطاغين مآبا . لابثين فيها أحقابا . لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا . إلا حميما
وغساقا . جزاء وفاقا . إنهم كانوا لا يرجون حسابا . وكذبوا بآياتنا كذابا .
شرح
أبوابا مفتحة كقوله - وفجرنا الأرض عيونا - كأن كلها عيون تتفجر . وقيل الأبواب : الطرق والمسالك : أي
تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شئ ( فكانت سرابا ) كقوله - فكانت هباء منبثا - يعنى أنها تصير
شيئا كلا شئ لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها . المرصاد : الحد الذي يكون فيه الرصد ، والمعنى : أن جهنم هي
حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهى مآبهم . أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم
عندها لان مجازهم عليها وهى مآب للطاغين . وعن الحسن وقتادة نحوه قالا : طريقا وممرا لأهل الجنة . وقرأ ابن
يعمر أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين كأنه قيل : كان ذلك لإقامة
الجزاء . قرئ لابثين ولبثين واللبث أقوى لان اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث
كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه ( أحقابا ) حقبا بعد حقب كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا
يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها والاشتقاق يشهد لذلك ، ألا ترى إلى حقيبة
الراكب والحقب الذي وراء التصدير . وقيل الحقب ثمانون سنة ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقابا غير ذائقين
فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب . وفيه
وجه آخر وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه
أحقاب فينتصب حالا عنهم : يعنى لابثين فيها حقبين جحدين ، وقوله ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) تفسير له .
والاستثناء منقطع ، يعنى لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار ولا شرابا يسكن من عطشهم ، ولكن
يذوقون فيها حميما وغساقا ، وقيل البرد النوم وأنشد :
فلو شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وعن بعض العرب منع البرد البرد . وقرئ غساقا بالتخفيف والتشديد وهو ما يغسق أي يسيل من صديدهم ( وفاقا )
وصف بالمصدر أو ذا وفاق ، وقرأ أبو حياة وفاقا فعال من وفقه كذا ( كذابا ) تكذيبا وفعال في باب فعل
كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله
وقرئ بالتخفيف وهو مصدر كذب بدليل قوله :
فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه
وهو مثل قوله - أنبتكم من الأرض نباتا - : يعنى وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن
معنى كذبوا لان كل مكذب بالحق كاذب ، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه : وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة
أو كذبوا بها مكاذبين ، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة ، أو
لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فيبلغ فيه أقصى جهده . وقرئ كذابا وهو جمع
كاذب أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقوله