تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وفتحت السماء فكانت أبوابا . وسيرت الجبال فكانت سرابا . إن جهنم كانت مرصادا . للطاغين مآبا . لابثين فيها أحقابا . لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا . إلا حميما وغساقا . جزاء وفاقا . إنهم كانوا لا يرجون حسابا . وكذبوا بآياتنا كذابا .
شرح
أبوابا مفتحة كقوله - وفجرنا الأرض عيونا - كأن كلها عيون تتفجر . وقيل الأبواب : الطرق والمسالك : أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شئ ( فكانت سرابا ) كقوله - فكانت هباء منبثا - يعنى أنها تصير شيئا كلا شئ لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها . المرصاد : الحد الذي يكون فيه الرصد ، والمعنى : أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهى مآبهم . أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لان مجازهم عليها وهى مآب للطاغين . وعن الحسن وقتادة نحوه قالا : طريقا وممرا لأهل الجنة . وقرأ ابن يعمر أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين كأنه قيل : كان ذلك لإقامة الجزاء . قرئ لابثين ولبثين واللبث أقوى لان اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه ( أحقابا ) حقبا بعد حقب كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها والاشتقاق يشهد لذلك ، ألا ترى إلى حقيبة الراكب والحقب الذي وراء التصدير . وقيل الحقب ثمانون سنة ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقابا غير ذائقين فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب . وفيه وجه آخر وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فينتصب حالا عنهم : يعنى لابثين فيها حقبين جحدين ، وقوله ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) تفسير له . والاستثناء منقطع ، يعنى لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار ولا شرابا يسكن من عطشهم ، ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا ، وقيل البرد النوم وأنشد : فلو شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وعن بعض العرب منع البرد البرد . وقرئ غساقا بالتخفيف والتشديد وهو ما يغسق أي يسيل من صديدهم ( وفاقا ) وصف بالمصدر أو ذا وفاق ، وقرأ أبو حياة وفاقا فعال من وفقه كذا ( كذابا ) تكذيبا وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله وقرئ بالتخفيف وهو مصدر كذب بدليل قوله : فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله - أنبتكم من الأرض نباتا - : يعنى وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لان كل مكذب بالحق كاذب ، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه : وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو كذبوا بها مكاذبين ، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة ، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فيبلغ فيه أقصى جهده . وقرئ كذابا وهو جمع كاذب أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقوله
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 209 | الزمخشري