وكل شئ أحصيناه كتابا . فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذبا . إن للمتقين مفازا . حدائق
وأعنابا . وكواعب أترابا . وكأسا دهاقا . لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا . جزاء
من ربك عطاء حسابا . رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه
خطابا . يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون .
شرح
حسان وبخال فيجعل صفة لمصدر كذبوا : أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه . وقرأ أبو السمال : وكل شئ أحصيناه
بالرفع على الابتداء ( كتابا ) مصدر في موضع إحصاء ، أو أحصينا في معنى كتبنا لانتفاء الاحصاء ، والكتبة
في معنى الضبط والتحصيل ، أو يكون حالا في معنى مكتوبا في اللوح وفى صحف الحفظة ، والمعنى إحصاء
معاصيهم كقوله - أحصاه الله ونسوه - وهو اعتراض ، وقوله ( فذوقوا ) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم
بالآيات ، وهى آية في غاية الشدة ، وناهيك بلن نزيدكم وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت
الصحة وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدا على أن الغضب قد تبالغ . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : هذه الآية
أشد ما في القرآن على أهل النار ( مفازا ) فوزا وظفرا بالبغية أو موضع فوز ، وقيل نجاة مما فيه أولئك أو موضع
نجاة ، وفسر المفاز بما بعده . والحدائق : البساتين فيها أنواع الشجر المثمر . والأعناب : الكروم . والكواعب :
التي فلكت ثديهن وهن النواهد . والأتراب : اللدات . والدهان : المترعة ، وأدهق الحوض : ملاه حتى قال قطني .
وقرئ ولا كذابا بالتشديد والتخفيف : أي لا يكذب بعضهم بعضا ولا يكذبه أو لا يكاذبه . وعن علي رضي الله عنه
أنه قرأ بتخفيف الاثنين ( جزاء ) مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله - إن للمتقين مفازا - كأنه قال : جاز
المتقين بمفاز ، و ( عطاء ) نصب بجزاء نصب المفعول به أي جزاهم عطاء ، و ( حسابا ) صفة بمعنى كافيا من
أحسبه الشئ إذا كفاه حتى قال حسبي ، وقيل على حسب أعمالهم . وقرأ ابن قطيب حسابا بالتشديد على أن
الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك . قرئ رب السماوات والرحمن بالرفع على هو رب السماوات الرحمن ،
أو رب السماوات مبتدأ والرحمن صفة ولا يملكون خبر ، أو هما خبران وبالجر على البدل من ربك ، وبجر الأول
ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره لا يملكون ، أو هو الرحمن لا يملكون . والضمير في ( لا يملكون ) لأهل السماوات
والأرض : أي ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر ؟ أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه
تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه ، أولا يملكون أن يخاطبوه بشئ من نقص في العذب أو زيادة في
الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه ( و ( يوم يقوم ) متعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون ، والمعنى : إن الذين
هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه ، فما ظنك
بمن عداهم من أهل السماوات والأرض . والروح أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين .
وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه ، وقيل ليسوا بالملائكة وهم يأكلون ، وقيل جبريل .