تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وكل شئ أحصيناه كتابا . فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذبا . إن للمتقين مفازا . حدائق وأعنابا . وكواعب أترابا . وكأسا دهاقا . لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا . جزاء من ربك عطاء حسابا . رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا . يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون .
شرح
حسان وبخال فيجعل صفة لمصدر كذبوا : أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه . وقرأ أبو السمال : وكل شئ أحصيناه بالرفع على الابتداء ( كتابا ) مصدر في موضع إحصاء ، أو أحصينا في معنى كتبنا لانتفاء الاحصاء ، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل ، أو يكون حالا في معنى مكتوبا في اللوح وفى صحف الحفظة ، والمعنى إحصاء معاصيهم كقوله - أحصاه الله ونسوه - وهو اعتراض ، وقوله ( فذوقوا ) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ، وهى آية في غاية الشدة ، وناهيك بلن نزيدكم وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدا على أن الغضب قد تبالغ . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ( مفازا ) فوزا وظفرا بالبغية أو موضع فوز ، وقيل نجاة مما فيه أولئك أو موضع نجاة ، وفسر المفاز بما بعده . والحدائق : البساتين فيها أنواع الشجر المثمر . والأعناب : الكروم . والكواعب : التي فلكت ثديهن وهن النواهد . والأتراب : اللدات . والدهان : المترعة ، وأدهق الحوض : ملاه حتى قال قطني . وقرئ ولا كذابا بالتشديد والتخفيف : أي لا يكذب بعضهم بعضا ولا يكذبه أو لا يكاذبه . وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين ( جزاء ) مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله - إن للمتقين مفازا - كأنه قال : جاز المتقين بمفاز ، و ( عطاء ) نصب بجزاء نصب المفعول به أي جزاهم عطاء ، و ( حسابا ) صفة بمعنى كافيا من أحسبه الشئ إذا كفاه حتى قال حسبي ، وقيل على حسب أعمالهم . وقرأ ابن قطيب حسابا بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك . قرئ رب السماوات والرحمن بالرفع على هو رب السماوات الرحمن ، أو رب السماوات مبتدأ والرحمن صفة ولا يملكون خبر ، أو هما خبران وبالجر على البدل من ربك ، وبجر الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره لا يملكون ، أو هو الرحمن لا يملكون . والضمير في ( لا يملكون ) لأهل السماوات والأرض : أي ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر ؟ أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه ، أولا يملكون أن يخاطبوه بشئ من نقص في العذب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه ( و ( يوم يقوم ) متعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون ، والمعنى : إن الذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه ، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض . والروح أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين . وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه ، وقيل ليسوا بالملائكة وهم يأكلون ، وقيل جبريل .