لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون . ويل يومئذ للمكذبين . هذا يوم الفصل
جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين .
إن المتقين في ظلال وعيون . وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم
تعملون . إنا كذلك نجزى المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين . كلوا وتمتعوا قليلا
إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين . وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون . ويل
يومئذ للمكذبين . فبأي حديث بعده يؤمنون .
شرح
في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها من جهتين : من جهة العظم ، ومن جهة الطول في الهواء وفى التشبيه بالجمالات
وهى القلوس تشبيه من ثلاث جهات ، من جهة العظم والطول والصفرة ، فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ
شدقيه من استطراقه . قرئ بنصب اليوم ونصبه الأعمش : أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ويوم القيامة
طويل ذو مواطن ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت . ولذلك ورد الأمران في القرآن ، أو جعل
نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ولا يسمع ( فيعتذرون عطف على يؤذن منخرط في سلك النفي ، والمعنى : ولا يكون
لهم إذن واعتذار متعقب له من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الاذن . ولو نصب لكان مسببا عنه لا محالة ( جمعناكم
والأولين ) كلام موضح لقوله - هذا يوم الفصل - لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء
وأممهم فلابد من جمع الأولين والآخرين حتى يقع ذلك الفصل بينهم ( فإن كان لكم كيد فكيدون ) تقريع لهم على
كيدهم لدين الله وذويه وتسجيل عليهم بالعجز والاستكانة ( كلوا واشربوا ) في مضع الحال من ضمير
المتقين في الظرف الذي هو في ظلال : أي هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك ، و ( كلوا وتمتعوا ) حال من
المكذبين : أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم كلوا وتمتعوا . فإن قلت : كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة ؟
قلت : يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم وكانوا من أهله ، تذكيرا بحالهم
السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد . وفي طريقته قوله :
إخوتي لا تبعدوا أبدا * وبلى والله قد بعدوا
يريد كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك . وعلل ذلك بكونهم مجرمين على أن كل مجرم ماله إلا
الاكل والتمتع أياما قلائل ثم البقاء في الهلاك أبدا . ويجوز أن يكون كلوا وتمتعوا كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين
في الدنيا ( اركعوا ) اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه ، واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة
لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم . وقيل ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود . وقيل
نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا : لا نجبى فإنها مسبة علينا ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " ( بعده ) بعد القرآن : يعنى أن القرآن من بين
الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة . فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده ( يؤمنون ) وقرئ تؤمنون بالتاء .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين " .