وفى السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون .
هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين . إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام
قوم منكرون .
شرح
استرخى أناخ الذل - فتبارك الله أحسن الخالقين - ( وفى السماء رزقكم ) هو المطر لأنه سبب الأقوات . وعن سعيد
ابن جبير : هو الثلج وكل عين دائمة منه . وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم
ولكنكم تحرمونه لخطاياكم ( وما توعدون ) الجنة هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش ، أو أراد أن ما ترزقونه
في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدر مكتوب في السماء . قرئ مثل ما بالرفع صفة للحق : أي حق مثل
نطقكم ، وبالنصب على أنه لحق حقا مثل نطقكم . ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن وما مزيدة بنص
الخليل ، وهذا كقول الناس : إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع ومثل ما إنك ههنا ، وهذا الضمير إشارة إلى
ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ما توعدون . وعن الأصمعي : أقبلت من
جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال : ممن الرجل ؟ قلت : من بنى أصمع ، قال : من أين أقبلت ؟
قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن ، فقال : أتل على فتلوت - والذاريات - فلما بلغت قوله - وفى السماء
رزقكم - قال : حسبك ، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما
وولى ، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف ، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي
قد نحل واصفر ، فسلم على واستقرأ السورة فلما بلغت الآية صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم
قال : وهل غير هذا فقرأت - فورب السماء والأرض إنه لحق - فصاح وقال : يا سبحان الله من ذا الذي أغضب
الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى أجلؤوه إلى اليمين ، قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه ( هل أتاك ) تفخيم
للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما عرفه بالوحي . والضيف للواحد والجماعة
كالزور والصوم لأنه في الأصل مصدر ضافه ، وكانوا اثنى عشر ملكا ، وقيل تسعة عاشرهم جبريل ، وقيل
ثلاثة جبريل وميكائيل وملك معهما ، وجعلهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم ، أو
لأنهم كانوا في حسبانه كذلك . وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم بنفسه وأخدمهم امرأته وعجل لهم القرى ، أو أنهم
في أنفسهم مكرمون ، قال الله تعالى - بل عباد مكرمون - ( إذا دخلوا ) نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم
وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل أو بإضمار أذكر ( سلاما ) مصدر ساد مسد الفعل مستغنى به عنه وأصله نسلم
عليكم سلاما . وأما ( سلام ) فمعدول به إلى الرفع على الابتداء ، وخبره محذوف معناه : عليكم سلام للدلالة على
ثبات السلام كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذا بأدب الله تعالى ، وهذا أيضا من إكرامه لهم . وقرئا
مرفوعين ، وقرئ سلاما قال سلما والسلم السلام ، وقرئ سلاما قال سلم ( قوم منكرون ) أنكرهم للسلام الذي هو
علم الإسلام ، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم ، كما لو أبصر العرب قوما من
الخزر أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم ، أو كان هذا سؤالا لهم كأنه قال : أنتم قوم منكرون