وبالأسحار هم يستغفرون . وفى أموالهم حق للسائل والمحروم . وفى الأرض آيات
للموقنين . وفى أنفسكم أفلا تبصرون
شرح
ما مصدرية أو موصولة على كانوا قليلا من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه ، وارتفاعه بقليلا على الفاعلية وفيه
مبالغات لفظ الهجوع وهو الفرار من النوم ، قال :
قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع
وقوله قليلا ومن الليل لأن الليل وقت السبات والراحة وزيادة ما المؤكدة لذلك وصفهم بأنهم يحيون الليل
متهجدين ، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم . وقوله ( هم يستغفرون ) فيه أنهم هم
المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه . فإن قلت : هل
يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم وأن يكون المعنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله ؟ قلت : لا ،
لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، تقول : زيدا لم أضرب ولا تقول زيدا ما ضربت . السائل الذي
يستجدى ( والمحروم ) الذي يحسب غنيا فيحرم الصدقة لتعففه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " ليس المسكين
الذي ترده الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، قالوا : فما هو ؟ قال : الذي لا يجد ولا يتصدق
عليه " وقيل الذي لا ينمى له مال ، وقيل المحارف الذي لا يكاد يكسب . ( وفى الأرض آيات ) تدل على الصانع
وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها كما قال - الذي جعل لكم الأرض مهادا - وفيها
المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها وهى مجزأة ، فمن سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات من
صلبة ورخوة وعذاة وسبخة ، وهى كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان
والطعوم والروائح - تسقى بماء واحد بعضها على بعض في الأكل - وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم
ومصالحهم في صحتهم واعتلاهم ، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفننة والدواب المنبثة في برها وبحرها
المختلفة الصور والأشكال والأفعال من الوحشي والإنسي والهوام وغير ذلك ( للموقنين ) الموحدين الذين سلكوا
الطريق السوى البرهاني الموصل إلى المعرفة ، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة كلما رأوا آية عرفوا وجه
تأملها فازدادوا إيمانا مع إيمانهم وإيقانا إلى إيقانهم ( وفى أنفسكم ) في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال ،
وفى بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان ، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها
من العقول وخصت به من أصناف المعاني ، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها
من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر ، دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها
لما خلقت له وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني ، فإنه إذا جسى شئ منها جاء العجز ، وإذا