والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون . ومن كل
شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون . ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين .
ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين . كذلك ما أتى الذين من
قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون . أتواصوا به بل هم قوم طاغون .
فتول عنهم فما أنت بملوم .
شرح
* ( بأيد ) بقوة ، والأيد والآد القوة ، وقد آد يئيد وهو أيد ( وإنا لموسعون ) لقادرون من الوسع وهى الطاقة ،
والموسع : القوى على الإنفاق . وعن الحسن : لموسعون الرزق بالمطر ، وقيل جعلنا بينها وبين الأرض سعة
( فنعم الماهدون ) فنعم الماهدون نحن ( ومن كل شئ ) أي من كل شئ من الحيوان ( خلقنا زوجين ) ذكرا
وأنثى . وعن الحسن : السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة ، فعدد
أشياء ، وقال : كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له ( لعلكم تذكرون ) أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء
وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه ( ففروا إلى الله ) أي إلى طاعته وثوابه
من معصيته وعقابه ، ووحدوه ولا تشركوا به شيئا ، وكرر قوله ( إني لكم منه نذير مبين ) عند الأمر بالطاعة
والنهى عن الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان ، وأنه لا يفوز عند الله
إلا الجامع بينهما ، ألا ترى إلى قوله تعالى - لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا -
والمعنى : قل يا محمد ففروا إلى الله ( كذلك ) الأمر : أي مثل ذلك ، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته
ساحرا ومجنونا . ثم فسر ما أجمل بقوله ( ما أتى ) ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بأتى لأن من النافية لا يعمل
ما بعدها فيما قبلها ، ولو قيل لم يأت لكان صحيحا على معنى مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول الله قالوا
( أتواصوا به ) الضمير للقول ، يعنى أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه ( بل
هم قوم طاغون ) أي لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد بل جمعتهم العلة الواحدة وهى الطغيان والطغيان
هو الحامل عليه ( فتول عنهم ) فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا وعرفت العناد واللجاج فلا
لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة ولا تدعو التذكير والموعظة بأيام