تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . فلا تطع المكذبين ودوا لوتدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم .
شرح
سيعلمون غدا من الكذاب الأشر - ( إن ربك هو أعلم ) بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله ( وهو أعلم ) بالعقلاء وهم المهتدون ، أو يكون وعيدا ووعدا وأنه أعلم بجزاء الفريقين ( فلا تطع المكذبين ) تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة ويكفوا عنه غوائلهم ( لو تدهن ) لو تلين وتصانع ( فيدهنون ) . فإن قلت : لم رفع فيدهنون ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني ؟ قلت : قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف : أي فهم يدهنون كقوله تعالى - فمن يؤمن بربه فلا يخاف - على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ ، أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك . قال سيبويه : وزعم هارون أنها في بعض المصاحف : ودوا لو تدهن فيدهنوا ( حلاف ) كثير الحلف في الحق والباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله تعالى - ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم - ( مهين ) من المهانة وهى القلة والحقارة يريد القلة في الرأي والتمييز ، أو أراد الكذب لأنه حقير عند الناس ( هماز ) عياب طعان . وعن الحسن : يلوى شدقيه في أقفية الناس ( مشاء بنميم ) مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم والنميم والنميمة السعاية ، وأنشدني بعض العرب : تشببي تشبب النميمة * تمشى بها زهرا إلى تميمة ( مناع للخير ) بخيل والخير المال ، أو مناع أهله الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع كأنه قال مناع من الخير . قيل هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسرا وكان له عشرة من البنين ، فكان يقول لهم وللحمته : من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس . وعنه أنه أبو جهل ، وعن مجاهد الأسود بن عبد يغوث ، وعن السدى الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة ولذلك قيل زنيم ( معتد ) مجاوز في الظلم حده ( أثيم ) كثير الآثام ( عتل ) غليظ جاف من عتله إذا قاده بعنف وغلظة ( بعد ذلك ) بعد ما عد له من المثالب والنقائص ( زنيم ) دعى ، قال حسان : وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم ، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده . وقيل بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية ، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه ، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 142 | الزمخشري