تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فلما رأوها قالوا إنا لضالون . بل نحن محرومون . قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون . قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين . فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون . قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين . عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون . كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم . أفنجعل المسلمين كالمجرمين .
شرح
بمعنى الحرد . وقرئ على حرد : أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض فقوله تعالى - يتلاومون - وقيل الحرد : القصد والسرعة ، يقال حردت حردك ، وقال : أقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغله وقطا حراد سراع : يعنى وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم يقولون نحن نقدر على صرامها وزي منفعتها عن المساكين . وقيل حرد علم للجنة : أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان ( قالوا ) في بديهة وصولهم ( إنا لضالون ) أي ضللنا جنتنا وما هي بها لما رأوا من هلاكها فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ( بل نحن محرومون ) حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا ( أوسطهم ) أعد لهم وخيرهم من قولهم هو من سطة قومه وأعطني من سطات مالك . ومنه قوله تعالى - أمة وسطا - ( لولا تسبحون ) لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم كان أوسطهم ، قال لهم حين عزموا على ذلك : اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة فعصوه فعيرهم ، والدليل عليه قولهم : سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ، فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة الخطيئة ولكن بعد خراب البصرة . وقيل المراد بالتسبيح الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله ، لأن الاستثناء تفويض إليه ولتسبيح تنزيه له ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم . وعن الحسن : هو الصلاة كأنهم كانوا يتوالون في الصلاة ، وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا ( سبحان ربنا ) سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح ، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء ( يتلاومون ) بلوم بعضهم بعضا لأن منهم من زين ومنهم من قبل ، ومنهم من أمر بالكف وعزر ، ومنهم من عصى الآمر ، ومنهم من سكت وهو راض ( أن يبدلنا ) قرئ بالتشديد والتخفيف ( إنا إلى ربنا راغبون ) طالبون منه الخير راجون لعفوه ( كذلك العذاب ) مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا ( ولعذاب الآخرة ) أشد وأعظم منه . وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ فقال : لقد كلفتني تعبا . وعن مجاهد : تابوا فأبدلوا خيرا منهم . وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه : بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا ( عند ربهم ) أي في الآخرة ( جنات النعيم ) ليس فيها إلا التنعم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا ، كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها ، فإذا سمعوا