تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون .
شرح
جنسا أو علما ، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين ، وإن كان علما فأين الإعراب ؟ وأيهما كان فلابد له من موقع في تأليف الكلام . فإن قلت : هو مقسم به وجب إن كان جنسا أن تجره وتنونه ويكون القسم بداوة منكرة مجهولة كأنه قيل ودواة والقلم ، وإن كان علما أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث ، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من النينان أو يجعل علما للبهموت الذي يزعمون والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنة نحو ذلك . وأقسم بالقلم تعظيما له لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف ( وما يسطرون ) وما يكتب من كتب ، وقيل ما يسطره الحفظة وما موصولة أو مصدرية ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في يسطرون لهم كأنه قيل وأصحاب القلم ومسطوراتهم أو وسطرهم ، ويراد بهم كل من يسطر أو الحفظة . فإن قلت : بم يتعلق الباء في ( بنعمة ربك ) وما محله ؟ قلت : يتعلق بمجنون منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا ، تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال كأنه قال : ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي ، والمعنى : استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا ، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوة بمنزلة ( وإن لك ) على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه ( لأجرا ) لثوابا ( غير ممنون ) غير مقطوع كقوله - عطاء غير مجذوذ - أو غير ممنون عليك به لأنه ثواب تستوجبه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال . استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم . وقيل هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى - خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين - وعن عائشة - رضي الله عنها " أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالت : كان خلقه القرآن ، ألست تقرأ القرآن - قد أفلح المؤمنون - " ( المفتون ) المجنون لأنه فتن : أي محن بالجنون ، أو لأن العرب يزعمون أنه من تخييل الجن وهم الفتان للفتاك منهم ، والباء مزيدة أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود : أي بأيكم الجنون أو بأي الفريقين منكم أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين : أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهو تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما ، وهذا كقوله تعالى