تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور . أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير . ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير . أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير . أمن هذا
شرح
رسوله عليها فيقولون : أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد ، فنبه الله على جهلهم . فإن قلت : قدرت في ألا يعلم مفعولا على معنى : ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق ، فهلا جعلته مثل قولهم وهو يعطى ويمنع ؟ وهلا كان المعنى : ألا يكون عالما من هو خالق لأن الخلق لا يصح إلا مع العلم ؟ قلت : أبت ذلك الحال التي هي قوله - وهو اللطيف الخبير - لأنك لو قلت : ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحا ، لأن ألا يعلم معتمد على الحال والشئ لا يوقت بنفسه ، فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شئ ، المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شئ من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه ، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشى في مناكبها لم يترك ( 1 ) وقيل مناكبها جبالها . قال الزجاج : معناه سهل لكم السلوك في جبالها ، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ التذليل ، وقيل جوانبها ، والمعنى : وإليه نشوركم فهو مسائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم ( من في السماء ) فيه وجهان : أحدهما من ملكوته في السماء لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه ، والثاني أنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه ، وكانوا يدعونه من جهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب ؟ كما تقول لبعض المشبهة : أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل ؟ إذا رأيته يركب بعض المعاصي ( فستعلمون ) قرئ بالتاء والياء ( كيف نذير ) أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم ( صافات ) باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا ( ويقبضن ) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قلت : لم قيل ويقبضن ولم يقل وقابضات . قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجئ بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح ( ما يمسكهن إلا الرحمن ) بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والحوافي ، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو ( إنه بكل شئ بصير ) يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب ( أمن ) يشار إليه من الجموع ويقال ( هذا
هامش
( 1 ) يفتعل : أي لم يترك بقية من التذليل ، كذا بهامش اه‍ .