تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا . قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا . لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا . ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فنقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل .
شرح
وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر . ويجوز أن يراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا على الكفار وشهوة للانتقام منهم . الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات والأرض ، وجاء في الأحاديث " أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا " ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق والارهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا ، كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره أنه يضيق علهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع . وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد . والثبور : الهلاك ، ودعاؤه أن يقال وا ثبوراه : أي تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك ( لا تدعوا ) أي يقال لهم ذلك ، أو هم أحقاء بأن يقال لهم وإن لم يكن ثمة قول . ومعنى ( وادعوا ثبورا كثيرا ) أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور كثير ، إما لان العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم . الراجع إلى الموصولين محذوف : يعنى وعدها المتقون وما يشاؤونه ، وإنما قيل كانت لان ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان ، أو كان مكتوبا في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم . فإن قلت : ما معنى قوله ( كانت لهم جزاء مصيرا ) ؟ قلت : هو كقوله - نعم الثواب وحسنت مرتفقا - فمدح الثواب ومكانه كما قال - بئس الشراب وساءت مرتفقا - فذم العقاب ومكانه ، لان النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة وأن لا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة ، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء . والضمير في ( كان ) لما يشاءون . والوعد الموعود : أي كان ذلك موعودا واجبا على ربك إنجازه حقيقا أن يسئل ويطلب لأنه جزاء وأجر مستحق . وقيل قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك - ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة - ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم - يحشرهم فيقول كلاهما بالنون والياء . وقرئ يحشرهم بكسر الشين ( وما يعبدون ) يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير . وعن الكلبي : الأصنام ينطقها الله . ويجوز أن يكون عاما لهم جميعا . فإن قلت : كيف صح استعمال ما في العقلاء قلت : هو موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم بدليل قولك : إذا رأيت شبحا من بعيد ما هو ؟ فإذا قيل لك إنسان قلت حينئذ من هو ؟ ويدلك قولهم من لما يعقل أو أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد : ما زيد ؟ تعنى أطويل أم قصير ، أفقيه أم طبيب ؟ فإن قلت : ما فائدة أنتم وهم ، وهلا قيل أظللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ؟ قلت : ليس