وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا
وادعوا ثبورا كثيرا . قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم
جزاء ومصيرا . لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا . ويوم نحشرهم
وما يعبدون من دون الله فنقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل .
شرح
وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر . ويجوز أن يراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا على الكفار وشهوة
للانتقام منهم . الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات
والأرض ، وجاء في الأحاديث " أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا " ولقد جمع الله على أهل النار
أنواع التضييق والارهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا ، كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما
في تفسيره أنه يضيق علهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل
قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع . وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد . والثبور :
الهلاك ، ودعاؤه أن يقال وا ثبوراه : أي تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك ( لا تدعوا ) أي يقال لهم ذلك ، أو هم
أحقاء بأن يقال لهم وإن لم يكن ثمة قول . ومعنى ( وادعوا ثبورا كثيرا ) أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما
هو ثبور كثير ، إما لان العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم
بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم . الراجع إلى الموصولين محذوف : يعنى وعدها المتقون وما يشاؤونه ، وإنما قيل
كانت لان ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان ، أو كان مكتوبا في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة
أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم . فإن قلت : ما معنى قوله ( كانت لهم جزاء مصيرا ) ؟ قلت : هو كقوله - نعم الثواب
وحسنت مرتفقا - فمدح الثواب ومكانه كما قال - بئس الشراب وساءت مرتفقا - فذم العقاب ومكانه ، لان النعيم
لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة وأن لا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة
الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة ، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء . والضمير في
( كان ) لما يشاءون . والوعد الموعود : أي كان ذلك موعودا واجبا على ربك إنجازه حقيقا أن يسئل ويطلب لأنه
جزاء وأجر مستحق . وقيل قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك - ربنا آتنا في
الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة - ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم - يحشرهم فيقول كلاهما بالنون والياء .
وقرئ يحشرهم بكسر الشين ( وما يعبدون ) يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير . وعن الكلبي : الأصنام
ينطقها الله . ويجوز أن يكون عاما لهم جميعا . فإن قلت : كيف صح استعمال ما في العقلاء قلت : هو موضوع على العموم
للعقلاء وغيرهم بدليل قولك : إذا رأيت شبحا من بعيد ما هو ؟ فإذا قيل لك إنسان قلت حينئذ من هو ؟ ويدلك قولهم من
لما يعقل أو أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد : ما زيد ؟ تعنى أطويل
أم قصير ، أفقيه أم طبيب ؟ فإن قلت : ما فائدة أنتم وهم ، وهلا قيل أظللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ؟ قلت : ليس