تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا . وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا .
شرح
أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم . وقيل الصرف التوبة ، وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف : أي يحتال ، أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو أن يحتالوا لكم . الخطاب على العموم للمكلفين . والعذاب الكبير لاحق بكل من ظلم والكافر ظالم لقوله - إن الشرك لظلم عظيم - والفاسق ظالم لقوله - ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون - وقرئ يذقه بالياء وفيه ضمير الله أو ضمير مصدر يظلم الجملة بعد إلا صفة لموصوف محذوف ، والمعنى : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور : أعني من المرسلين ونحوه قوله عز من قائل - وما منا إلا له مقام معلوم - على معنى وما منا أحد . وقرئ ويمشون على البناء للمفعول : أي تمشيهم حوائجهم أو الناس ، ولو قرئ يمشون لكان أوجه لولا الرواية . وقيل هو احتجاج على من قال ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ( فتنة ) أي محنة وابتلاء ، وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل ، يقول : وجرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض ، والمعنى : أنه ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأقاويلهم الخارجة عن حد الانصاف وأنواع أذاهم وطلب منهم الصبر الجميل ، ونحوه - ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور - وموقع ( أتصبرون ) بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله - ليبلوكم أيكم أحسن عملا - ( بصيرا ) عالما بالصواب فيما يبتلى به وغيره فلا يضيقن صدرك ولا يستخفنك أقاويلهم ، فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين . وقيل هو تسلية له عما عيروه به من الفقر حين قالوا : أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء لينظر هل يصبرون وأنها حكمته ومشيئته يغنى من يشاء ويفقر من يشاء . وقيل جعلناك فتنة لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا ، فإنما بعثناك فقيرا ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي . وقيل كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون : إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمر وصهيب وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالا بالمسابقة فهو افتتان بعضهم ببعض : أي لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة ، أو لا يخافون لقاءنا بالشر ، والرجاء في لغة تهامة الخوف ، وبه فسر قوله تعالى - لا ترجون لله وقارا - جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيا اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمدا صادق حتى يصدقوه ، أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه ، ولا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وأن الله لا يصح أن يرى ، وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون ، وإما أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا - لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة - فإن