للعالمين نذيرا . الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له
شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا . واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون
شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا
نشورا . وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد
جاءوا ظلما وزورا .
شرح
( للعالمين ) للجن والانس ( نذيرا ) منذرا : أي مخوفا ، أو إنذارا كالنكير بمعنى الانكار ، ومنه قوله تعالى - فكيف
كان عذابي ونذر - ( الذي له ) رفع على الابدال من الذي نزل أو رفع على المدح أو نصب عليه . فإن قلت :
كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه ؟ قلت : ما فصل بينهما بشئ لان المبدل منه صلته نزل وليكون تعليل له ،
فكأن المبدل منه لم يتم إلا به . فإن قلت : في الخلق معنى التقدير فما معنى قوله ( وخلق كل شئ فقدره تقديرا )
كأنه قال وقدر كل شئ فقدره ؟ قلت : المعنى أنه أحدث كل شئ إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية فقدره
وهيأة لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الانسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح
المنوطة في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير
فقدره لأمر ما ، ومصلحة مطابقا لما قدر له غير متجاف عنه ، أو سمى إحداث الله خلقا لأنه لا يحدث شيئا لحكمته
إلا على وجه التقدير من غير تفاوت ، فإذا قيل خلق الله كذا فهو بمنزلة قولك أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه
الاشتقاق ، فكأنه قيل وأوجد كل شئ فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا . وقيل فجعل له غاية ومنتهى ، ومعناه :
فقدره للبقاء إلى أمد معلوم . الخلق بمعنى الافتعال كما في قوله تعالى - إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا -
والمعنى : أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لاعجز أبين من عجزهم لا يقدرون على شئ من أفعال الله
ولا من أفعال العباد حيث لا يفتعلون شيئا وهم يفتعلون ، لان عبدتهم يصنعونهم بالنحت والتصوير ( ولا يملكون )
أي لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها أو جلب نفع إليها وهم يستطيعون ، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع
الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلا الله أعجز ( قوم
آخرون ) قيل هم اليهود ، وقيل عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وأبو فكيهة
الرومي ، قال ذلك النضر بن الحرث بن عبد الدار . جاء وأنى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ، وقد يكون
على معنى وردوا ظلما كما تقول جئت المكان ، ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل . وظلمهم أن جعلوا العربي
يتلقن من العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب . والزور أن بهتوه بنسبة ما هو برئ منه