تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا . فقد كذبوكم بما تقولون فما يستطيعون
شرح
مضلين ، ويقولون بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم ، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر ، وكان ذلك سبب هلاكهم ، فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الاضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه فهم لربهم الغنى العدل أشد تبرئة وتنزيها منه ، ولقد نزهوه حين أضافوا إلى التفضل بالنعمة والتمتيع بها ، وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة فشرحوا الاضلال المجازى الذي أسنده الله إلى ذاته في قوله - يضل من يشاء - ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا : بل أنت أضللتهم ، والمعنى أنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق أم هم ضلوا عنه بأنفسهم وضل مطاوع أضله ، وكان القياس ضل عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل إلى الطريق وللطريق ، وقولهم أضل البعير في معنى جعله ضالا : أي ضائعا لما كان أكثر ذلك بتفريط من صاحبه وقلة احتياط في حفظه ، قيل أضله سواء كان منه فعل أو لم يكن ( سبحانك ) تعجب منهم قد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الاضلال الذي هم مختص بإبليس وحزبه ، أو نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون المتقدسون الموسومون بذلك ، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده ، أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما ندا ، ثم قالوا : ما كان يصح لنا ولا يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحدا دونك ، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك ؟ أو ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار ، قال الله تعالى - فقاتلوا أولياء الشيطان - يريد الكفرة وقال - والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت - وقرأ أبو جعفر المدني نتخذ على البناء للمفعول ، وهذا الفعل أعني اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ وليا ، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلانا وليا ، قال الله تعالى - أم اتخذوا آلهة من الأرض - وقال - واتخذ الله إبراهيم خليلا - فالقراءة الأولى من المتعدى إلى واحد وهو من أولياء ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي ، والثانية من المتعدى إلى مفعولين ، فالأول ما بنى له الفعل والثاني من أولياء ، ومن للتبعيض : أي لا نتخذ بعض أولياء ، وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام . والذكر ذكر الله والايمان به أو القرآن والشرائع . والبور : الهلاك يوصف به الواحد والجمع ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ . هذه المفاجأة بالاحتجاج والالزام حسنة رائعة ، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ، ونحوها قوله تعالى - يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير - وقول القائل : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسانا وقرئ يقولون بالتاء والياء ، فمعنى ومن قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة ، ومعنى من قرأ بالياء فقد كذبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء . فإن قلت : هل يختلف حكم الباء مع التاء والياء ؟ قلت : أي والله هي مع التاء كقوله بل كذبوا بالحق والجار والمجرور بدل من الضمير كأنه قيل فقد كذبوا بما تقولون ، وهى مع الياء كقولك كتبت بالقلم . وقرئ يستطيعون بالتاء والياء أيضا : يعنى فما تستطيعون