وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل أنزله الذي
يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما . وقالوا مال هذا الرسول
يأكل الطعام ويمشى في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا .
شرح
إليه ( أساطير الأولين ) ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم واسفنديار جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة
( اكتتبها ) كتبها لنفسه وأخذها كما تقول استكب الماء واصطبه : إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه . وقرئ اكتتبها
على البناء للمفعول ، والمعنى : اكتتبها كاتب له لأنه كان أميا لا يكتب بيده ، وذلك من تمام إعجازه ، ثم حذفت
اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب كقوله - واختار موسى قومه - ثم بنى الفعل للضمير الذي
هو إياه فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان بارزا منصوبا ، وبقى ضمير الأساطير على حاله فصار اكتتبها كما ترى .
فإن قلت : كيف قيل ( اكتتبها فهي تملى عليه ) وإنما يقال أمليت عليه فهو يكتتبها ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما
أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه ، أو كتبت له وهو أمي فهي تملى عليه : أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها لان
صورة الالقاء على الحافظ كصورة الالقاء على الكاتب . وعن الحسن أنه قول الله سبحانه يكذبهم ، وإنما يستقيم
أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الانكار ، ووجهه أن يكن نحو قوله :
أفرح أن أرزأ الكرام وأن * أورث ذودا شصائصا نبلا
وحق الحسن أن يقف على الأولين ( بكرة وأصيلا ) أي دائما أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون
إلى مساكنهم : أي يعلم كل سر خفى في السماوات والأرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله صلى الله
عليه وسلم مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما
بهتونه به ، وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه . فإن قلت : كيف طابق قوله ( إنه كان غفورا رحيما )
هذا المعنى ؟ قلت : لما كان ما تقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة
إلا القادر على العقوبة ، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ، ولكن
صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل . وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع
الخط العربي وخط المصحف سنة لاتغير ، وفي هذا استهانة تصغير لشأنه وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنز
كأنهم قالوا : ما لهذا الزاعم أنه رسول ، ونحوه قول فرعون - إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون أي إن صح
أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا ( يأكل الطعام ) كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتزدد :
يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا متسغنيا عن الاكل والتعيش . ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح
أن يكون إنسانا معه ملك حتى يتساندا في الانذار والتخويف . ثم نزلوا أيضا فقالوا : وإن لم يكن مرفودا بملك
فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا
له بستان يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير ، أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم
وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا ، وقرئ فيكون بالرفع
أو يكون له جنة بالياء ونأكل بالنون . فإن قلت : ما وجها الرفع والنصب في فيكون . قلت : النصب لأنه جواب