ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم . قالوا أجئتنا لتأفكنا عن
آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . قال إنما العلم عند الله وأبلغكم
ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون . فلما رأوه عارضا مستقبل أو ديتهم
قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ، تدمر كل
شئ بأمر ربها فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين .
شرح
التفسير : ومن بعد إنذاره هذا إذا علقت - وقد خلت النذر - بقوله - أنذر قومه - ولك أن تجعل قوله تعالى - وقد
خلت النذر من بين يديه ومن خلفه - اعتراضا بين أنذر قومه وبين ( ألا تعبدوا ) ويكون المعنى : واذكر إنذار
هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم ، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فاذكرهم .
الإفك : الصرف ، يقال أفكه عن رأيه ( عن آلهتنا ) عن عبادتها ( بما تعدنا ) من معاجلة العذاب على الشرك ( إن
كنت ) صادقا في وعدك . فإن قلت : من أين طابق قوله تعالى ( إنما العلم عند الله ) جوابا لقولهم - فأتنا بما تعدنا - ؟
قلت : من حيث إن قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب ، ألا ترى إلى قوله تعالى - بل هو ما استعجلتم به - فقال لهم :
لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابا ، إنما علم ذلك عند الله فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه
في وقت عاجل تقترحونه أنتم ، ومعنى ( وأبلغكم ما أرسلت به ) وقرئ بالتخفيف أن الذي هو شأني وشرطي أن
أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرضكم لسخط الله بجهدي ، ولكنكم جاهلون لا تعلمون
أن الرسل لم يبعثوا إلا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه ( فلما رأوه ) في الضمير وجهان : أن يرجع
إلى ما تعدنا وأن يكون مبهما قد وضح أمره بقوله ( عارضا ) إما تمييزا وإما حالا وهذا الوجه أعرب وأفصح ،
والعارض : السحاب الذي يعرض في أفق السماء ، ومثله الحبى والعنان من حبا وعن إذا عرض . وإضافة مستقبل
وممطر مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفا للنكرة ( بل هو ) القول قبله مضمر ،
والقائل هود عليه السلام والدليل عليه قراءة من قرأ قال هود بل هو ، وقرئ : قل بل ما استعجلتم به هي ريح :
أي قال الله تعالى قل ( تدمر كل شئ ) تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير فعبر عن الكثرة بالكلية ،
وقرئ : يدمر كل شئ ، من دمر دمارا إذا هلك ( لا ترى ) الخطاب للرائي من كان ، وقرئ لا يرى على البناء
للمفعول بالياء والتاء ، وتأويل القراءة بالتاء وهى عن الحسن رضي الله عنه لا ترى بقايا ولا أشياء منهم ( إلا
مساكنهم ) ومنه بيت ذي الرمة : * وما بقيت إلا الضلوع الجراشع * وليست بالقوية . وقرئ : لا ترى إلا
مسكنهم ، ولا يرى إلا مسكنهم . وروى أن الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجو حتى ترى
كأنها جرادة . وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار . وروى أول ما عرفوا
به أنه عذاب أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض ، فدخلوا
بيوتهم وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية
أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر . وروى أن هودا لما أحس بالريح خط على