وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون . ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم
في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون
في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون . واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف
وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه .
شرح
( وليوفيهم ) وقرئ بالنون تعليل معللة محذوف لدلالة الكلام عليه ، كأنه قيل : وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم
حقوقهم ، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات . ناصب الظرف هو القول
المضمر قبل ( أذهبتم ) . وعرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به ، ومنه
قوله تعالى - النار يعرضون عليها - ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض
الحوض عليها فقلبوا ، ويدل عليه تفسير ابن عباس رضي الله عنه يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها ( أذهبتم طيباتكم )
أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء
حظكم شئ منها . وعن عمر رضي الله عنه : لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة ، ولكني
رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ؟ وعنه : لو شئت لكنت أطيبكم
طعاما وأحسنكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه دخل على أهل الصفة وهم
يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا فقال : أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى
ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة ؟ قالوا : نحن يومئذ خير . قال : بل أنتم اليوم
خير " وقرئ أأذهبتم بهمزة الاستفهام وآءذهبتم بألف بين همزتين . الهون الهوان ، وقرئ عذاب الهوان . وقرئ
يفسقون بضم السين وكسرها . الأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء ، من احقوقف الشئ
إذا أعوج ، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر من بلاد اليمن ،
وقيل بين عمان ومهرة ، و ( النذر ) جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار ( من بين يديه ) من قبله ( ومن خلفه ) ومن
بعده ، وقرئ من بين يديه ومن بعده ، والمعنى : أن هودا عليه السلام قد أنذرهم فقال لهم : لا تعبدوا إلا الله إني
أخاف عليكم العذاب ، وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره .
وعن ابن عباس رضي الله عنه : يعنى الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا زمانه ، ومعنى ومن خلفه على هذا