تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون . ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون . واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه .
شرح
( وليوفيهم ) وقرئ بالنون تعليل معللة محذوف لدلالة الكلام عليه ، كأنه قيل : وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم ، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات . ناصب الظرف هو القول المضمر قبل ( أذهبتم ) . وعرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به ، ومنه قوله تعالى - النار يعرضون عليها - ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا ، ويدل عليه تفسير ابن عباس رضي الله عنه يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها ( أذهبتم طيباتكم ) أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شئ منها . وعن عمر رضي الله عنه : لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة ، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ؟ وعنه : لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا فقال : أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة ؟ قالوا : نحن يومئذ خير . قال : بل أنتم اليوم خير " وقرئ أأذهبتم بهمزة الاستفهام وآءذهبتم بألف بين همزتين . الهون الهوان ، وقرئ عذاب الهوان . وقرئ يفسقون بضم السين وكسرها . الأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء ، من احقوقف الشئ إذا أعوج ، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر من بلاد اليمن ، وقيل بين عمان ومهرة ، و ( النذر ) جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار ( من بين يديه ) من قبله ( ومن خلفه ) ومن بعده ، وقرئ من بين يديه ومن بعده ، والمعنى : أن هودا عليه السلام قد أنذرهم فقال لهم : لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب ، وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره . وعن ابن عباس رضي الله عنه : يعنى الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا زمانه ، ومعنى ومن خلفه على هذا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 523 | الزمخشري