قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى
إلى الحق وإلى طريق مستقيم . يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من
ذنوبكم ويجر كم من عذاب أليم .
شرح
كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا ما هذا إلا لنبأ حدث ، فنهض سبعة نفر أو تسعة من
أشراف الجن نصيبين أو نينوى منهم زوبعة ، فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادى نخلة ، فوافقوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلى أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته ، وذلك عند منصرفه
من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه
: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا
مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم . وقيل بل أمر الله رسول أن ينذر الجن ويقرأ عليهم ، فصرف إليه نفرا
منهم جمعهم له فقال : إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة ، فمن يتبعني قالها ثلاثا ، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال : لم يحضره ليلة الجن أحد غيري ، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط
لي خطا وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك ، ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى
الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب ، فقال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت شيئا ؟ قلت نعم ، رجالا سودا مستثقري ثياب بيض ، فقال : أولئك
جن نصيبين وكانوا اثنى عشر ألفا ، والسورة التي قرأها عليهم - اقرأ باسم ربك - فإن قلت : كيف قالوا ( من
بعد موسى ) ؟ قلت : عن عطاء رضي الله عنه أنهم كانوا على اليهودية . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن
لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذلك قالت من بعد موسى . فإن قلت : لم بعض في قوله ( من ذنوبكم ) ؟
قلت : لأن من الذنوب ما لا يفغر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها ، ونحوه قوله عز وجل - أن اعبدوا الله واتقوه
وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم - فإن قلت : هل للجن ثواب كما للإنس ؟ قلت : اختلف فيه فقيل لا ثواب لهم
إلا النجاة من النار لقوله تعالى ( ويجركم من عذاب أليم ) وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله ، والصحيح أنهم