تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون . وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين . وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين . وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما
شرح
وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان ، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي فإن الله هو الآني بالحوادث لا الدهر . قرئ حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره . فإن قلت : لم سمى قولهم حجة وليس بحجة ؟ قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم ، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة ، أو لأنه في أسلوب قولهم " تحية بينهم ضرب وجيع * كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة ، والمراد نفى أن تكون لهم حجة البتة . فإن قلت : كيف وقع قوله ( قل الله يحييكم ) جوابا لقولهم - ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين - ؟ قلت : لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم ، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به أن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق وهو جمعهم إلى يوم القيامة ، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم وكان أهون شئ عليه . عامل النصب في ( يوم تقوم ) يخسر ، و ( يومئذ ) بدل من يوم تقوم ( جاثية ) باركة مستوفزة على الركب . وقرئ جاذبة والجذو أشد استيفازا من الجثو لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما جاثية مجتمعة . وعن قتادة جماعات من الجثوة وهى الجماعة وجمعها جثى وفى الحديث " من جثى جهنم " . وقرئ ( كل أمة ) عن الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة ( إلى كتابها ) إلى صحائف أعمالها فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى - ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه - ( اليوم تجزون ) محمول على القول . فإن قلت كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله عز وجل ؟ قلت : الإضافة تكون للملابسة وقد لابسهم ولابسه ، أما ملابسته إياهم فلأن أعمالهم مثبتة فيه ، وأما ملابسته إياه فلأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده ( ينطق عليكم ) يشهد عليكم بما عملتم ( بالحق ) من غير زيادة ولا نقصان ( إنا كنا نستنسخ ) الملائكة ( ما كنتم تعملون ) أي نستكتبهم أعمالكم ( في رحمته ) في جنته ، وجواب أما محذوف تقديره : وأما الذين كفروا فيقال لهم ( أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) والمعنى : ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه . وقرئ والساعة بالنصب عطفا على الوعد وبالرفع عطفا على محل إن واسمها ( ما الساعة ) أي شئ الساعة ؟ . فإن قلت :
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 513 | الزمخشري