تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
ليجزى قوما بما كانوا يكسبون . من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون . ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين . وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين . هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون . أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات .
شرح
نزلت قبل آية القتال ثم نسخ حكمها ، وقيل نزولها في عمر رضي الله عنه وقد شتمه رجل من غفار فهم أن يبطش به وعن سعيد بن المسيب : كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية فقال عمر : ليجزى عمر بما صنع ( لنجزى ) تعليل للأمر بالمغفرة : أي إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة . فإن قلت : قوله ( قوما ) ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف ؟ قلت : هو مدح لهم وثناء عليهم كأنه قيل : ليجزى أيما قوم وقوما مخصوصين لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص ( بما كانوا يكسبون ) من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ، ومعنى قول عمر ليجزى عمر بما صنع : ليجزى بصبره واحتماله ، وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية : والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي . وقرئ ليجزى قوما : أي الله عز وجل وليجزى قوم وليجزى قوما على معنى وليجزى الجزاء قوما ( الكتاب ) التوراة ( والحكم ) الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم والنبوة ( من الطيبات ) مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ( وفضلناهم على العالمين ) حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ( بينات ) آيات ومعجزات ( من الأمر ) من أمر الدين ، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ( إلا من بعد ما جاءهم ) ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم ، وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم : أي لعداوة وحسد ( على شريعة ) على طريقة ومنهاج ( من الأمر ) من أمر الدين فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج ، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبنى على هوى وبدعة ، وهم رؤساء قريش حين قالوا ارجع إلى دين آبائك . ولا توالهم إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم . وأما المتقون فوليهم الله وهم موالوه ، وما أبين الفصل بين الولايتين ( هذا ) القرآن ( بصائر للناس ) جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحا وحياة ، وهو هدى من الضلالة ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن . وقرئ هذه بصائر : أي هذه الآيات ( أم ) منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان . والاجتراح : الاكتساب ومنه الجوارح ، وفلان جارحة أهله : أي كاسبهم ( أن نجعلهم ) أن نصيرهم وهو من جعل المتعدى إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف والجملة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 511 | الزمخشري