ليجزى قوما بما كانوا يكسبون . من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم
إلى ربكم ترجعون . ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من
الطيبات وفضلناهم على العالمين . وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد
ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .
ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن
يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين . هذا
بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون . أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن
نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات .
شرح
نزلت قبل آية القتال ثم نسخ حكمها ، وقيل نزولها في عمر رضي الله عنه وقد شتمه رجل من غفار فهم أن يبطش به
وعن سعيد بن المسيب : كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية فقال عمر : ليجزى عمر
بما صنع ( لنجزى ) تعليل للأمر بالمغفرة : أي إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم
القيامة . فإن قلت : قوله ( قوما ) ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف ؟ قلت : هو مدح لهم وثناء
عليهم كأنه قيل : ليجزى أيما قوم وقوما مخصوصين لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار وعلى ما كانوا
يجرعونهم من الغصص ( بما كانوا يكسبون ) من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ، ومعنى قول عمر
ليجزى عمر بما صنع : ليجزى بصبره واحتماله ، وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية : والذي
بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي . وقرئ ليجزى قوما : أي الله عز وجل وليجزى قوم وليجزى قوما على
معنى وليجزى الجزاء قوما ( الكتاب ) التوراة ( والحكم ) الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك
كان فيهم والنبوة ( من الطيبات ) مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ( وفضلناهم على العالمين ) حيث لم نؤت
غيرهم مثل ما آتيناهم ( بينات ) آيات ومعجزات ( من الأمر ) من أمر الدين ، فما وقع بينهم الخلاف في الدين
( إلا من بعد ما جاءهم ) ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم ، وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم : أي لعداوة
وحسد ( على شريعة ) على طريقة ومنهاج ( من الأمر ) من أمر الدين فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج ، ولا
تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبنى على هوى وبدعة ، وهم رؤساء قريش حين قالوا ارجع إلى دين
آبائك . ولا توالهم إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم . وأما المتقون فوليهم الله وهم موالوه ، وما أبين الفصل بين
الولايتين ( هذا ) القرآن ( بصائر للناس ) جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل
روحا وحياة ، وهو هدى من الضلالة ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن . وقرئ هذه بصائر : أي هذه الآيات
( أم ) منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان . والاجتراح : الاكتساب ومنه الجوارح ، وفلان جارحة أهله :
أي كاسبهم ( أن نجعلهم ) أن نصيرهم وهو من جعل المتعدى إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف والجملة