تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون . أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون . وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين .
شرح
التي هي ( سواء محياهم ومماتهم ) بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا فكانت في حكم المفرد ، ألا تراك لو قلت : أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديدا ، كما تقول : ظننت زيدا أبوه منطلق . ومن قرأ سواء بالنصب أجرى سواء مجرى مستويا وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفردا غير جملة . ومن قرأ ومماتهم بالنصب جعل محياهم ومماتهم ظرفين كمقدم الحاج وخفوق النجم : أي سواء في محياهم وفى مماتهم ، والمعنى إنكار أن يستوى المسيئون والمحسنون محيا وأن يستووا مماتا ، لافتراق أحوالهم أحياء حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على ركوب المعاصي ، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعد لهم . وقيل معناه : إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة ، وإنما يفترقون في الممات ، وقيل سواء محياهم ومماتهم كلام مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء ، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم كل يموت على حسب ما عاش عليه . وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلى ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية ، فجعل يبكى ويردد إلى الصباح - ساء ما يحكمون - وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكى ويقول : يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت ( ولتجزى ) معطوف على بالحق لأن فيه معنى التعليل ، أو على معلل محذوف تقديره خلق الله السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس : أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه ، وقرئ آلهة هواه لأنه هواه لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها ( وأضله الله على علم ) وتركه عن الهداية واللطف وخذله على علم عالما بأن ذلك لا يجدى عليه وأنه ممن لا لطف له ، أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقربة ( فمن يهديه من بعد ) إضلال ( الله ) . وقرئ غشاوة بالحركات الثلاث وغشوة بالكسر والفتح . وقرئ تتذكرون ( نموت ونحيا ) نموت نحن ويحيا أولادنا ، أو يموت بعض ويحيا بعض ، أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب ونحيا بعد ذلك ، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة ، يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة . وقرئ نحيا بضم النون ، وقرئ إلا دهر يمر . وما يقولون ذلك عن علم ولكن عن ظن وتخمين ، كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله