سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . وخلق الله السماوات والأرض بالحق
ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون . أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله
الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله
أفلا تذكرون . وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر
وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان
حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين .
شرح
التي هي ( سواء محياهم ومماتهم ) بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا فكانت في حكم المفرد ، ألا تراك
لو قلت : أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديدا ، كما تقول : ظننت زيدا أبوه منطلق . ومن قرأ سواء
بالنصب أجرى سواء مجرى مستويا وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفردا غير جملة . ومن قرأ ومماتهم
بالنصب جعل محياهم ومماتهم ظرفين كمقدم الحاج وخفوق النجم : أي سواء في محياهم وفى مماتهم ، والمعنى إنكار
أن يستوى المسيئون والمحسنون محيا وأن يستووا مماتا ، لافتراق أحوالهم أحياء حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات
وأولئك على ركوب المعاصي ، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه
وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعد لهم . وقيل معناه : إنكار أن يستووا في الممات كما
استووا في الحياة لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة ، وإنما يفترقون في الممات ، وقيل سواء
محياهم ومماتهم كلام مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء ، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم كل يموت على
حسب ما عاش عليه . وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلى ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية ، فجعل
يبكى ويردد إلى الصباح - ساء ما يحكمون - وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكى ويقول : يا فضيل ليت
شعري من أي الفريقين أنت ( ولتجزى ) معطوف على بالحق لأن فيه معنى التعليل ، أو على معلل محذوف تقديره
خلق الله السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس : أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه
فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه ، وقرئ آلهة هواه لأنه هواه لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه
فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها ( وأضله الله على علم ) وتركه عن الهداية واللطف وخذله على
علم عالما بأن ذلك لا يجدى عليه وأنه ممن لا لطف له ، أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة
والمقربة ( فمن يهديه من بعد ) إضلال ( الله ) . وقرئ غشاوة بالحركات الثلاث وغشوة بالكسر والفتح . وقرئ
تتذكرون ( نموت ونحيا ) نموت نحن ويحيا أولادنا ، أو يموت بعض ويحيا بعض ، أو نكون مواتا نطفا في
الأصلاب ونحيا بعد ذلك ، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة ، يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس
وراء ذلك حياة . وقرئ نحيا بضم النون ، وقرئ إلا دهر يمر . وما يقولون ذلك عن علم ولكن عن ظن وتخمين ،
كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله