أولئك لهم عذاب مهين . من ورائهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ولا
ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم . هذا هدى والذين كفروا بآيات
ربهم لهم عذاب من رجز أليم . الله الذي سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه
بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض
جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . قل للذين آمنوا يغفروا للذين
لا يرجون أيام الله .
شرح
يقتصر على الاستهزاء بما بلغه ، ويحتمل وإذا علم من آياتنا شيئا يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملا يستلق به
على الطعن والغميزة افترصه واتخذ آيات الله هزوا ، وذلك نحو اقتراص ابن الزبعرى قوله عز وجل - إنكم وما
تعبدون من دون الله حصب جهنم - ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله خصمتك ، ويجوز أن يرجع
الضمير إلى شئ لأنه في معنى الآية كقول أبى العتاهية :
نفسي بشئ من الدنيا معلقة * الله والقائم المهدى يكفيها
حيث أراد عتبة . وقرئ علم ( أولئك ) إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله الأفاكين . والوراء اسم للجهة التي يواريها
الشخص من خلف أو قدام ، قال :
أليس ورائي إن تراخت منيتي * أدب مع الولدان أزحف كالنسر
ومنه قوله عز وجل ( من ورائهم ) أي من قدامهم ( ما كسبوا ) من الأموال في رحلهم ومتاجرهم ( ولا
ما تخذوا من دون الله ) من الأوثان ( هذا ) إشارة إلى القرآن يدل عليه قوله تعالى - والذين كفروا بآيات ربهم - لأن
آيات ربهم هي القرآن : أي هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول زيد رجل تريد كامل في الرجولية وأيما رجل .
والرجز : أشد العذاب . وقرئ بجر أليم ورفعه ( ولتبتغوا من فضله ) بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان
واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر . فإن قلت : ما معنى منه في قوله ( جميعا منه ) وما موقعها من
الإعراب ؟ قلت : هي واقعة موقع الحال ، والمعنى : أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده : يعنى أنه
مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره هي جميعا منه ،
وأن يكون وسخر لكم تأكيدا لقوله تعالى - سخر لكم - ثم ابتدئ قوله - ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه -
وأن يكون ما في الأرض مبتدأ ومنه خبره . وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما منة ، وقرأ سلمة بن محارب منه على
أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازى ، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي ذلك أو هو منه . حذف المقول
لأن الجواب دال عليه ، والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا ( لا يرجون أيام الله ) لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من
قولهم لوقائع العرب أيام العرب . وقيل لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها . قبل