كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب . وكذلك حقت
كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار . الذين يحملون العرش ومن
حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به
شرح
فيها ويتربحون ، فإن مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال ووراءه شقاوة الأبد . ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل
وجدالهم بالباطل وما ادخر لهم من سوء العاقبة مثلا ما كان من نحو ذلك من الأمم وما أخذهم به من عقابه وأحله
بساحتهم من انتقامه . وقرئ فلا يغرك ( الأحزاب ) الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وقرعون
وغيرهم ( وهمت كل أمة ) من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب ( برسولهم ) وقرئ برسولها ( ليأخذوه )
ليتمكنوا منه ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل ، ويقال للأسير أخيذ ( فأخذتهم ) يعنى أنهم
قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم ( فكيف كان عقاب ) فإنكم تمرون على بلادهم
ومساكنهم فتعاينون أثر ذلك ، وهذا تقرير فيه معنى التعجيب ( أنهم أصحاب النار ) في محل الرفع بدل من كلمة
ربك : أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ، ومعناه : كما وجب إهلاكهم في الدنيا
بالعذاب المستأصل كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة ، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال
الفعل . والذين كفروا قريش ومعناه : كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن علة واحدة
تجمعهم أنهم من أصحاب النار . وقرئ كلمات . روى أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد
خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تتفكروا في عظم ربكم ، ولكن
تفكروا فيما خلق الله من الملائكة ، فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه
في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سماوات ، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع ) وفى
الحديث ( إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة )
وقيل خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام . وقيل
حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد
وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان
على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر . وقرأ ابن عباس العرش بضم العين . فإن قلت :
ما فائدة قوله ( ويؤمنون به ) ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم
مؤمنون ؟ قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه